الصحافة

الحزب "المشلَّع" بين حليفيه المتنازعين: هل سيغيّر تموضعه أم أن الفرصة ستفلت منه؟

Please Try Again

ads




خرجت قيادات من "حزب الله " في الآونة الاخيرة عن اعتصامها بالصمت واطلقت في مجالسها الضيقة كلاما ينمّ عن شعور بـ"ازمة علاقة وثقة" تعصف بين الحزب وبين من يفترض انهم في خانة الحلفاء او المؤلَّفة قلوبهم.

الظاهر بشكل فجّ من هذه الازمة هو ما يتصل بالعلاقة المهتزة بين الحزب وشريكه في "تفاهم مارمخايل" "التيار الوطني الحر"، اذ انها بلغت مرتبة الحدث المتفجر منذ نحو شهرين الى درجة ان هذا التفاهم الذي قدّمه طرفاه في مرحلة من المراحل على انه نموذج نوعي في لعبة التفاهمات والتحالفات السياسية على الساحة والتي كانت دوما تفاهمات موسمية لا تلبث ان ينفرط عقدها ويذهب الشركاء كل في طريق، قد آل الى موقع النزع الاخير والاحتضار وهو يترنح بين أمرين لا ثالث لهما: فإما ان يُستدرك وتُبعث به الروح مجددا، وإما ان يُنعى ويصبح نسياً منسياً للذكرى والتاريخ.

لكن تدحرج الاحداث والتطورات في مرحلة ما بعد الشغور الرئاسي اظهر بما لا يدع مجالا للشك ان تلك الازمة الموضوعة تحت المجهر لم تعد مقتصرة على هذا الجانب فقط رغم الدويّ الذي يحيط بها، بل هي ازمة متفاعلة وممتدة مع آخرين وان كان الحزب يسعى للنأي بها عن الاضواء. فالحزب الذي نجح بجهد جهيد في الاعوام التي خلت في ضبط النزاعات المفتوحة بين حليفيه "التيار البرتقالي" وحركة "امل" باعتباره صراعاً على السلطة ومغانمها وتدافعاً على الادوار وتشعباتها، قد استجدت ظروف ومعطيات متراكمة جعلته يجد صعوبة كبرى في البقاء على موقفه الوسطي، وتاليا لم يعد هذا الدور ذا جدوى وفائدة اذ صار موضع شكوى وتذمّر عند قاعدته وعند الحلفاء في آن.

والواضح ان فلتات لسان قياديين في الحزب تظهر ان الامور توشك ان تخرج عن نطاق السيطرة والتحكم و"الدوزنة ". ومعلوم في هذا الاطار ان الحزب وجّه في الآونة الاخيرة الى شريك "التفاهم" بلسان سيده رسالة مفتوحة فحواها إما تفاهم بالحسنى وإما فراق بالمعروف. لم يكن الدافع الى اطلاق هذا الموقف ممانعة رئيس التيار جبران باسيل السير في ركاب خيار الحزب الرئاسي فحسب، بل لاستشعار الحزب ان باسيل ساعٍ بشكل من الاشكال الى نزع صفة "قائد المحور" عن الحزب ووضعه امام خيارين احلاهما مُر، فإما ان يرضى بدور المتقدم بين متساوين وان يتخلى عن دوره السابق في المعالجة، اي دور "ابو ملحم"، وإما ان عليه ان يقلع شوكه بيده من الآن فصاعدا انطلاقا من ان ثمة حاجة ملحّة عند التيار تستوجب منه سلوكا مغايرا عن ذي قبل انطلاقا من ان تجربة الشراكة السابقة اخرجته خاسرا مكشوفا.

في لحظة سياسية معينة بدا ان العقل المقرر في الحزب قد أخذ قراره الضمني بالاستعداد والتحسب ليوم تُطوى فيه صفحة "التفاهم" الى غير رجعة. فمقابل كلام باسيل الشهير عن "إخلاف الحزب بالوعود" ظهر على ألسنة قيادات توصف بالعاقلة في الحزب كلام من نوع: "علينا ان لا نزعل اذا ما فارقنا صحبة عديم الوفاء". فبدا وكأن الحزب يطوّع جمهوره على التكيف مع مرحلة انتفاء شراكة العونيين. والاشارات الاولية التي توافرت في الساعات الماضية من كلا الطرفين تشي بانهما ولجا الى خيمة تفاهم تحت عنوان عريض مفاده: ليأخذ كل منا وقته اللازم لتقليب الامر على كل وجوهه وبعدها لنعد الى طاولة الحوار والتواجه لنعلن معا سريان مرحلة جدية بمواصفات مختلفة، او فليكن الفراق بعد تنظيم الافتراق على نحو لا تنزلق الامور الى القطيعة والعداوة.

وآية ذلك هو هذه التهدئة الاعلامية من جهة والاعلان عن عودة التيار الى الورقة البيضاء في الجلسة المقبلة لانتخاب الرئيس تعبيرا عن ابقاء الامور قيد البحث والتشاور. في موازاة ذلك كان على الحزب ان يخوض مواجهة شاقة مع حليفه الرئيس نبيه بري ومع الرئيس نجيب ميقاتي للحد من اندفاعتهما نحو المواجهة السياسية المفتوحة مع "التيار الوطني". وبحسب المعلومات فان هذه الجهود قد اعطت ثمارها في تأجيل ميقاتي دعوة حكومة تصريف الاعمال الى عقد جلسة ثانية للبحث في سلفة الكهرباء الى الاسبوع المقبل نزولا عند رغبة الحزب كفرصة لتسوية الامور بالتي هي احسن ولمعرفة "ما اذا كانت هذه الامور تستدعي جلسة لمجلس الوزراء" وفق تعبير إعلام الحزب بعد لقاء ميقاتي مع الخليلين.

والجلي ان الحزب يحاول كسب الوقت فلا يجد نفسه في منازلة اخرى مع "التيار البرتقالي"، وهذا يعني تعمّق الهوة بين الطرفين الباحثين عما يرأب الصدع من جهة، ولا مقاطعة لجلسة حكومية مخصصة لتسيير مرفق عام يتصل بحياة الناس من جهة أخرى.

وهذا الموقف الذي لا يُحسد عليه بات موضع نقاش داخل الحزب، اذ ثمة تساؤلات تغزو قاعدته عن جدوى سياسته السابقة المعمول بها الى اليوم في التعامل مع حلفائه والمبنية على قاعدة: لقد فعلنا ما في وسعنا لاصلاح ذات البين بين الحليفين، وليس من عادتنا ان نُكره الحلفاء على الالتزام بما هم كارهون له او غير مقتنعين به.

التشخيص هذا لم يعد يجد من يقتنع به في قاعدة الحزب، بل ان ثمة موجة استياء تعصف بهذه القاعدة بناء على اعتبارات عدة ابرزها:

- ان الحلفاء المتصارعين قد استضعفوا الحزب بفعل نهج الملاينة والمسايرة وتبويس اللحى، فبدأوا يتعاملون معه كأنه حاضر غائب، اي بلا هيبة.

- ان نتائج هذه الصراعات ومفاعيلها اوشكت ان تخرج من قبضة التحكم والسيطرة التي كانت في السابق واختلفت الآن من حيث النوعية ومن جهة الآثار والتبعات.

فمنذ ان شرع الحزب في العمل بموجب خطته لايصال "الرئيس الذي لا يطعن المقاومة في الظهر" كان هاجسه الاكبر هو الحيلولة دون انفجار ساحته تحت وطأة صراعات اطرافها ولابقائها ضمن الحد الادنى من التماسك والتهدئة لاعطاء الفرصة له ليمارس لعبة ملء الفراغ وتنظيم الخلافات التي نجحت سابقا في ضمان ايصال مرشحه العماد ميشال عون الى الرئاسة الاولى، خصوصا ان انفجار هذه الصراعات من شأنه ان يطيح بل تلك الرهانات والجهود.

وهكذا يمكن القول ان الحزب في موقع المعاناة المكتومة والخشية الحقيقية من القدرة على ادارة مرحلة الفراغ اللازمة لكي يفرض مرشحه لبلوغ قصر بعبدا، مع ادراكه سلفا انه فقد الكثير مما كان يستند اليه سابقا مع اشتداد الضغوط عليه وعلى الساحة ال#لبنانية. لذا فان السؤال المطلوب من الحزب الاجابة عليه عاجلا هو: هل سيغير من قواعد تعاطيه النمطية مع حلفائه، ام انه سيدع الفرصة تفلت من بين اصابعه؟ ads




Please Try Again