محليات

عودة: لا مجد بلا صليب.. والإيمان الحقيقي يبدأ حين نسمح للمسيح بتغيير قلوبنا

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يكشف لنا نصا الإنجيل والرسالة حقيقة أساسية في الحياة المسيحية، هي أن الإيمان ليس اقتناعا ذهنيا بقدرة الله، ولا انتظارا لمعجزة تغير ظروف الحياة، بل هو دخول في شركة حياة مع المسيح، فيصير الإنسان شريكا في طريق الصليب والقيامة. حدث شفاء الصبي في الإنجيل، وكلام الرسول بولس في رسالة اليوم، يكشفان وجها واحدا للحياة في المسيح. لقد اقترب أب منكسر القلب إلى الرب، حاملا إبنه الذي أنهكه سلطان الشر. حاول التلاميذ أن يشفوه فلم يستطيعوا. للوهلة الأولى، يبدو أن محور الرواية هو شفاء الولد، غير أن المسيح يحول أنظارنا إلى أمر أعمق. فعندما سأله تلاميذه «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه (أي الشيطان)» أجاب: «لعدم إيمانكم». هو لا يرد العجز إلى نقص في المعرفة أو الخبرة، بل إلى ضعف الشركة معه. لقد نال التلاميذ سلطانا على الأرواح النجسة، لكن السلطان لا يعمل بمعزل عن الواهب. الخدمة ليست قدرة يمتلكها الإنسان، بل نعمة يعمل بها الله في الإنسان الذي يثبت فيه".

أضاف: "يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المسيح لم يرد أن يعلم تلاميذه كيف يصنعون العجائب، بل كيف يظلون متحدين به، لأن المعجزة ليست ثمرة مهارة بشرية، بل ثمرة الإيمان العامل بالمحبة. ومهما كثرت مواهب الإنسان، يبقى عاجزا إذا اتكل على نفسه. أما إذا سلم حياته للمسيح، فإن الله يعمل من خلاله ما يعجز هو عن فعله بقوته الخاصة. نحن كثيرا ما نبحث عن الله عندما تضيق بنا الحياة، ونطلب إليه أن يغير ظروفنا أو يرفع عنا تجربة أو ألما، فيما يريد هو أن يغير قلوبنا أولا. نحن نرغب في نتائج الإيمان أكثر مما نرغب في حياة الإيمان. لذلك، قد تتحول الصلاة إلى طلبات، والعبادة إلى عادة، والصوم إلى ممارسة خارجية، فيما القلب بعيد عن الله. الإيمان الذي يتحدث عنه المسيح هو علاقة حية تجعل الإنسان يتكل على الله أكثر مما يتكل على ذاته".

وتابع: "لافت أن الرب، بعد هذا الحدث مباشرة، يبدأ بالكلام على آلامه وموته وقيامته. فما العلاقة بين حادثة الشفاء وإعلان الصليب؟ يريد المسيح أن يعلم تلاميذه أن الإيمان الذي يصنع العجائب هو نفسه الإيمان الذي يسير وراء المصلوب. فالذين انبهروا بسلطانه على الأرواح ينبغي أن يفهموا أن هذا السلطان يبلغ كماله في الصليب، حيث انتصر الرب على الخطيئة والموت لا بالقوة البشرية، بل بالطاعة الكاملة للآب، والمحبة التي «لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها » (1 كو 13 : 4-5). يقول القديس كيرلس الإسكندري إن المسيح كان يهيئ تلاميذه كي لا يظنوا أن مجده ينفصل عن آلامه، لأن صانع المعجزات هو الذي يسلم ذاته من أجل خلاص العالم. فمن يطلب مجد المسيح ويرفض صليبه لا يستطيع أن يعرفه حقا. في نص الرسالة نجد أن الرسول بولس قد دخل فعلا في هذه الخبرة. فهو لا يتحدث عن الصليب كفكرة، بل كخبرة يعيشها يوميا. لذلك يقول «نحن(أي الرسل) نجوع ونعطش ونعرى ونلطم ولا قرار لنا...نشتم فنبارك، نضطهد فنحتمل، يشنع علينا فنتضرع». هذه ليست لغة إنسان مهزوم، بل لغة إنسان صار يشبه معلمه. لهذا يختم قائلا: «كونوا مقتدين بي». إنه لا يدعو المؤمنين إلى تقليد شخصه، بل إلى الإقتداء بالمسيح الذي ظهرت صورته في حياته".

وقال: "في طريقه إلى الاستشهاد كتب القديس اغناطيوس الأنطاكي أنه يتوق إلى أن يصير تلميذا حقيقيا للمسيح، لأن التلمذة لا تقاس بكثرة الكلام، بل بالثبات في محبة المسيح حتى النهاية. الإيمان، في نظر الكنيسة، ليس إعلانا للعقيدة فحسب، بل هو تشبه بالمسيح في الفكر والقلب والسلوك. هذا هو التحدي الذي يواجه إنسان اليوم. نحن نعيش في عالم يقيس النجاح بالقوة والمجد والمال والنتائج الظاهرة، فيما يدعونا الإنجيل إلى أن نقيس حياتنا بعمق علاقتنا مع الله. قد نمتلك المعرفة، ونحقق الإنجازات، وننال تقدير الناس، لكن إذا لم تكن حياتنا متجذرة في المسيح، فإن كل ذلك يبقى عاجزا عن أن يمنح القلب سلاما أو أن يغير الإنسان من الداخل. السؤال الذي يطرحه الإنجيل علينا ليس: كم نعرف عن المسيح؟ بل: إلى أي حد نحيا فيه، وندع حياته تعمل فينا؟"

أضاف: "إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكلام على المسيحية، بل إلى مؤمنين يشهدون بحياتهم للمسيح. لا يحتاج إلى أحزاب وجمعيات تتغنى بحقوق المسيحيين، بل يحتاج إلى آباء وأمهات يعلمون أولادهم الإيمان بقداسة حياتهم، وإلى شباب يرون في الإنجيل طريقا للحياة لا مجموعة من الوصايا، وإلى جماعات كنسية يظهر فيها وجه المسيح من خلال المحبة والتواضع والخدمة، وإلى مسؤولين وقادة لا يكثرون من الكلام والوعود بل يعتبرون وجودهم في أي مركز من أجل الخدمة لا الإستغلال، ويعملون بصمت، بوحي الإنجيل، من أجل الخير العام. الإيمان الذي يغير العالم يبدأ دائما بقلب سمح للمسيح بأن يغيره".

وختم: "فلنسأل الرب أن يهبنا هذا الإيمان الحي الذي لا يطلب المعجزة قبل الشركة، ولا المجد قبل الصليب، ولا القيامة قبل التوبة. حينئذ تصبح حياتنا، على مثال الرسل والقديسين، شهادة صامتة لحضور المسيح في العالم، فيرى الناس أعمالنا الصالحة ويمجدوا أبانا الذي في السماوات".

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا