ماذا يُطبخ بين دمشق والضاحية؟ قناة تركية سرية وترامب يحرّك الخيوط
حين يحكي الزعيم... كيف يبدو قدر الشرق ؟
في كتاب يقع في مئتين وخمسٍ وثمانين صفحة، صدر عن دار نوفل في طبعته الأولى/ تموز 2026، تعريب أدونيس سالم (الكتاب صدر بالّلغة الفرنسيّة في نسخته الأصليّة)، يحكي الوزير النّائب السّابق، والزّعيم الدّرزي الّلبنانيّ وليد جنبلاط، ساردًا سيرته الذّاتيّة، مقدّمًا شهادته الشّخصيّة، في أحداث التّاريخ الّذي عاشه وعايش وقائعه، مقترفًا فعل الاعتراف، عساه يحظى بهدأة الصّفاء، من بعد افتتاحِه عامَهُ السّابع والسّبعين.
ِ اختار وليد جنبلاط كسرَ حالة الصّمت، والخروج من دائرة “التّحِفّظ” الّذي ألزم به نفسه، حين قرّر الانسحاب من الحياة السّياسيّة العام 2023؛ هو الّذي أنفق خمسين سنة من سنوات حياته، خائضًا غمار السّياسة الّتي فرضت عليه باكرًا، منذ العام 1977 الّذي شهد مقتل والده الدّامي. فهل استطاع وليد جنبلاط أن يقدّم للقارئين، في متن مسروده -بكلّ ما اكتنزه من أحداث ومشاهدات وعلاقات- شهادة تاريخيّة موضوعيّة، تعين على إعادة تأطير المشهد الّلبنانيّ المتعثّر، أم أنّ ما قدّمه هذا الزّعيم في بَوحه، يندرج في سياق سرديّة ذاتيّة خاصّة، نحَت منحى التّبرير والتّسويغ، ما مكّن صاحبها من الوقوف نظيف الكفّين، موقفَ الواعظ للشّباب من الأجيال القادمة، عساهم يضطلعون بدور إنقاذيّ مرتجى لهذا الوطن الحبيب؟
بواعث القول في الكتاب/ السّيرة:
ينبثق القول في هذا الكتاب الّذي خضع لفعل الانتقاء للأحداث المضمّنة، وللتقطيع الزّمنيّ للوقائع المدرجة في سياقه، من احتكام كاتبه إلى تموضعه في منطقةٍ وسطى، حافظ عليها بدقّة مُحتسبة كميزان، من أوّل الكتاب إلى آخره.
يحكي جنبلاط في محاولة منه لاستحضار الفهم؛ فهمِ كلِّ ما كان، وما سيكون في وطن “محكوم بلعنة التّاريخ” كما بلعنة الجغرافيا، لأنّ المواطنيّة تستدعي منّا ضرورة الوعي بكينونتنا “فأن نكون لبنانيّين، يعني أوّلا أن نفهم من نحن، وما هو لبنان؟”، يستعين الكاتب بهذه العبارة/ الإضاءة في تصديره سيرته، ناقلًا إيّاها عن الأب القائد ” كمال جنبلاط”، مؤكّدا من خلالها على ثابتتين أساسيّيتن:
1- أولاهما: استمرار النّهج الّذي أرساه المفكّر الشّهيد كمال جنبلاط، والمتمثّل في حماية الدّروز في جبلهم، وفي “المختارة” عاصمته، والتأكيد على دورهم الوطنيّ الفاعل وعلى عروبتهم وإسلامهم، وهو النّهج الّذي استبقته إليه والدته “السّت نظيرة جنبلاط”، والّذي التزم الإبن وليد به طوال حياته، ويتمنّى لولده تيمور، ولأحفاده من بعده متابعته.
2- ثانيتهما: الدّعوة إلى إعادة التّفكّر ابتغاء حُسن الرّؤية المستقبليّة الّتي تتيح له، ولمن يلي، إعادةَ التّموضع حيال العصْف الّذي يلفّ البلاد، والعباد في هذا الزّمن الضّبابيّ الصّعب.
نستطيع ونحن نقرأ هذا الكتاب الجامع للكثير من الأحداث، والمواقف الحساسّة والخطيرة الّتي عرفتها البلاد والمنطقة بأسرها، أن نتذكّر رؤية الفيلسوف إيمانويل كانت Immanuel kant الّذي ربط الوعي الأخلاقيّ بالواجب، وبالحريّة الإنسانيّة، حاسبًا التّقدّم البشري نتاج نضوج العقل وتفتّح التّجارب فيه، وبضرورة استخدامه بحريّة من دون وصاية، ولا توجيه. وبناءً على ذلك يمكننا القول بأنّ الوعي والإدراك: الإدراك الداخليّ المتعلّق بذات الإنسان، والخارجيّ المرتبط بالفهم العام المحدّد لأنماط السّلوك البشريّ، ولكيفيّة طرائق التّعامل مع شرائح المجتمع، شكّلا محفّز جنبلاط على القول في هذا الكتاب، وربّما تضاف إليهما الرّغبة في إنصاف الذّات نِتاج تفكّرُه في ” لغزيْ الحياة والموت” (140)، وهو يجد نفسه واقفًا في مساحة المقلب الثّاني من مسار العمر.
ينبثق جنبلاط في كتابه هذا، عن وعي إنسانيّ عام يغذيه وعي سياسيّ استشرافيّ مشفوعًا بمنحى اجتماعيّ وبيئيّ، وبألوان أخرى منه، حفّزت لديه هذه الرّغبة المتأخرة في القول، يبلور من خلالها وعيه، ويحيل بوساطتها سردَه إلى أثر ثقافيّ فاعل حاضرًا في محبّيه ومُحازبيه، وربّما سيكون كذلك، كما أراده صاحبه، فاعلا مستقبليّا في فكر من سيلي من الأجيال.
” نظّفْ نفسك” هكذا طالبَ الكاتب والرّوائيّ الفرنسيّ والفيلسوف ميشال تورنييه (1924-2016) نفسه، وسواه في خلال حديثه عن فعل الكتابه، حاسبًا إيّاها نوعًا من تطهير الذّات، ابتغاء استعادة الصّفاء المنشود، وأعتقد أنّ هذا التّطهّر بعض مسعى الكاتب من خلال تسريده “سيرته الحياتيّة” هذه، والّتي أميل إلى اعتبارها “سيرة أدبيّة”، أكثر منها سيرة توثيقيّة تأريخيّة، وذلك لخضوعها إلى فعل الانتقاء للأحداث، ولكسرها كرونولوجيّة السّرد بشكل واضح، بحيث نقرأ أحداثًا كثيرة متلاحقة مرجعيّا، تمّ إدراجها غير متواترة في السّرد، وبسبب من الشعريّة الّلغويّة الواضحة الّتي صبغت مقاطع بعينها في هذا الكتاب، لا سيّما حينما يتحدّث صاحبها عن الطّبيعة “الخلاّبة” لبيئته الحاضنة كما يصفها مرارًا، وعندما يدلي بتعليقات وانطباعات شخصيّة على بعض ما جرى.
محدّدات القول، والأبعاد المرجعيّة التّاريخيّة في السّيرة:
يعترف جنبلاط بهدفه من كتابة سيرته حاسبًا إيّاها ترياقًا وأملًا ” سيرة حياتي هذه بمثابة ترياق، ورسالة أمل” ( 23)، إلاّ أنّه يشير إلى صبغتها الّتي غادرت الفرديّة، والعائليّة لتصطبغ بنطاق الوطن/ لبنان بأسره “هذه قصّتي، وقصّة كفاحي، وقصّة لبنان” ( 23)، مدركًا تاليا أهميّة الفعل التّاريخيّ في حياة البشر، ومؤكّدا على صدقيّة فعل التّدوين وأهمّيته، لأنّ هذا الأخير يمثّل قبْضًا على الّلحظات الهاربة من العمر المنقضي، لا سيّما في زمن التّحولات التّكنولوجيّة المتسارعة الّتي بات بإمكانها أن تخلق كلّ شيء، وأن تبتلع بالمقابل، كلَّ شيء.
تكشف القراءة الموضوعيّة لهذه السّيرة الغنيّة، عن محدّدات استنّها جنبلاط لنفسه، وأعلن التزامه بها، وهذه أبرزها:
– استشعاره ضرورة توثيق بعض الوقائع الحاسمة، لأنّ الذّكريات إلى زوال، ومن الضّروري توثيق خباياها قبل فوات الأوان.
– الصّدق في كلّ ما سيقول، وطلب المسامحة سلفا من القرّاء، عن أيّ تجاوز قام بارتكابه.
– الاعتراف بالأخطاء، وممارسة نوع من النّقد الذاّتيّ، لتيقنه بوجود عدالة إلهيّة ( 24)، برغم معرفته بأنّ فريقًا من الجيل المعاصر، يرفض كلّ الطّبقة السّياسيّة الّتي انتقلت من امتطاء خيول الحرب الأهلية، إلى صهوات ” كراسي السّلطة”.
– الشّعور بالمسؤولية حيال ما يُسطّر من لحظات، لكونها تبدو بمثابة قطع بازل Puzzle pieces، في مشهد أوسع منها، عساها تعين القارئ على فهم أفضل للخارطة الزمنيّة والمرجعيّة، للحرب الأهليّة الّلبنانيّة الممتدة بإفرازاتها وبتداعياتها، من العام 1975 حتى يومنا هذا.
– حسبانه كتابتَه هذه بادرة تشجيع لشركائه في الوطن، وفي صنعِ التّاريخ، على الإسهام في كشف الحقائق المخفية، لأنّ الهدف الأول والأخير من هذا الفعل، يتمثّل بالنّسبة إليه، في توجيه رسالة أمل إلى “الشّباب الّلبنانيّ”، وفي مقدّمتهم ابنه تيمور وأحفاده.
لذا تدفعنا هذه المحدّدات الدّقيقة إلى التّساؤل عن مدى قدرة الكاتب على الالتزام بها، في رحلة الاعتراف الّتي اقترفها في هذا الكتاب/ السّيرة، فهل استطاع كاتبها أن يفعل؟
جنبلاط الحفيد والإبن، وحامل الزّعامة الدّرزيّة:
يقف جنبلاط المعتزّ بدرزيّته – على تمسكه بالعلم، ومحاربته العقليّة الرّجعيّة لبعض رجال الدّين القائلين” ليأتِ ما سيأتي، هذا هو القدر!” (26)- يقف موقف المثمّن لدور النّساء الّلواتي عبرن ويتواجدن في حياته، بدءًا بالجدّة نظيرة “السّت”ّ، و”سيّدة القصر” وحارسة المختارة حين غيّب الموت زوجها فؤاد جنبلاط العام1921، فهي “الأنثى التّي تعلّمت الفرنسيّة والإنجليزيّة وهو أمر نادر في تلك الحقبة لا سيّما للنّساء” (72)، وهي الأرملة الّتي اضطرّت إلى تولّي الزّعامة في قلب الجبل، لتكون ندّا للرّجال في زمنها. وهو الدّور الرّائد الّذي ستتبنّى بعض مساراته لاحقًا، والدته “مي أرسلان”، من بعد أن قُتل الزّعيم كمال جنبلاط. فالأمّ عادت إلى دارة المختارة من باريسو ساندت ابنها، وأشارت عليه حيث يتوجّب، فكانت له خير معين. في حين تضطلع زوجته نورا، وابنته داليا بالدّور الاجتماعيّ الإنسانيّ الفاعل.
أمّا بالنّسبة إلى أبيه، فلقد كان جنبلاط معجبًا حقيقيّا بوالده المفكّر كمال، بوصفه ” رجل وساطة ومبادئ ثقافيّة سامية، ويمثّل التّجدّد في المشهد الّلبنانيّ برغم إرثه العائليّ الّذي يشدّه إلى جذوره الإقطاعيّة” (29). وقد سعى الإبن في حياته، إلى التّمسّك بالكثير من مبادئه وتعاليمه، لأنّه وجده شخصا جاذبًا بصفاته، مترفّعا عن المادياّت، صلبا في مواقفه الحازمة الحاسمة، إلاّ أنّه يقرّ باختلافه عنه، وبأنّه وجده مخطئًا في بعض مواقفه الّتي لم يكن ليهادن فيها، من ذلك مجاهرته بالعداء لحكم حافظ الأسد، ولحزبه، ورفضه تدخّله في لبنان، ما أدّى إلى اتّخاذ قرار تصفيته لاحقًا.
ومن المواقف الّتي خالفه الرّأي فيها، تخلّيه عن عقارات “قرية سبلين” مجّانا لأهلها العاملين فيها، إيمانا عميقًا منه بأنّ العامل في الأرض أحقّ بامتلاكها، ما أغضب السّت نظيرة، وأثار استغراب الإبن لفعله، إلاّ أنّ كمال الاشتراكيّ لم يعبأ، ولم يتراجع لأنّ هاجسه الحقيقيّ في الحياة “كان البحث عن الحقيقة، وقد قضى حياته سعيا إليها” (137)، مترفّعا عن الماديّات والقشور.
مقاربة الكتاب/ السّيرة للحرب الأهليّة الّلبنانيّة:
يظهر جليّا السّرد الانتقائيّ الّذي مارسه وليد جنبلاط في مقاربته، لمحطات بارزة من الحرب الأهليّة الّلبنانيّة، حيث وجدناه يوصّف تبدّل التّحالفات الّتي مارسها، بوصفها خيارات عقلانيّة فرضتها ” ضرورات التّاريخ”، فهو يقدّم انتقاله أحيانًا من المواجهة إلى التسوية مع خصوم الأمس، باعتباره فعلا استراتيجيّا لحماية الطّائفة، ولضمان السّلم الأهلي، ما يجعله في موقع الفاعل المركزيّ القادر على إعادة تشكيل المشهد السّياسي، لكنّه يتجاهل في الوقت نفسه مسؤوليته عن بعض الانزلاقات العسكريّة الّتي أسهمت في تعقيد مسار الحرب (38-114).
نقرؤه يصف انسحاب قوّاته من بعض المواقع العسكريّة، بالحرص لعدم جهوزيتها لخوض القتال، ومثل هذا التّناول يعكس نزعة لإعادة كتابة التّاريخ من زاوية الزّعيم الّذي يملك الحلول، لا من زاوية الفاعل الّذي يتحمّل تبعات خياراته، وبالتّالي هو يصوغ الأحداث بما يخدم صورة الزّعيم الواقعيّ، أكثر مما يعكس قراءة موضوعيّة لمسار الحرب وتداعياتها. وقد يروي زعيم آخر مجريات الحوادث مشروطة باستراتيجيته هو الآخر كفاعل سياسيّ، أو كقائد عسكريّ صائغا ذاته ودوره مشرّفًا في الذّاكرة الجمعيّة لفريقه، ما يولّد تباينًا في سرديات تلك الحرب، بين جنبلاط وبين سواه من الزّعماء، ويترك أثرا مباشرا على كتابة التّاريخ السّياسيّ، فيصير ذاك التّاريخ أقرب إلى رواية براغماتيّة، تعيد تبرير الأحداث من منظور كلّ زعيم مشارك في الحرب، يأدلى بشهادته في حوادثها وفقًا للمسار الّذي تبنّى، لأنّ كلاّ من هؤلاء سيدّعي ببساطة، حرصه على طائفته/ الأقليّة أو المحرومة كما فعل جنبلاط، فتكون له المنطلقات عينها لو أتيحت فرصة القول أو شجاعته للزّعيم المارونيّ، أو الشّيعيّ، أو السّنّيّ أو الفلسطينيّ…
البعد الإقليميّ والدّوليّ:
يتضح من خطاب جنبلاط أنّ موقفه من سوريا ما بعد الأسد يتسم بالترقّب الحذِر، وهو يشير في عدد من الصفحات، إلى ضرورة قيام نظام ديمقراطيّ يضمن التّوازن بين المكوّنات، إلاّ أنّ ذاكرته مثقلة بمشاهد وبتداعيات التّدخّل السّوريّ في لبنان، ورؤيته للدّيمقراطيّة المنشودة تبدو مثاليّة حيث يطرحها كحلّ شامل للأزمات، لأنّ التّجربة الّلبنانيّة تكشف كما يبيّن هو عن محدوديّة هذه الطّروحات في ظلّ الطّائفيّة البنيويّة الّتي تعيق أي انتقال فعليّ، من عباءة الطّائفة نحو دولة المواطنة. وهو في تناوله للقضية الفلسطينيّة، يؤكد على أنّها جزء لا يتجزّأ من الوجدان العربيّ، وأنهم ” رفاق السّلاح”، ويربطها بمشروع الدّولة المدنيّة في لبنان، حاسبًا أنّ العدالة للفلسطينين شرط لبناء مجتمع متوازن داخليا، وهو ربط إشكاليّ، لأنّ الدّولة المدنية تصطدم بواقع الانقسام الطّائفيّ، وتتأثر مباشرة بالملفّ الفلسطيني المثير دائما لحساسيّات داخليّة. بالإضافة إلى توقّفه عند عامل القوّة المتمثّلة في وجود حزب الله، قبل استشهاد السّيد نصرالله، بحسبانه قوة حاسمة في المعادلة الّلبنانيّة، جمعت بين المقاومة ضدّ إسرائيل، والارتباط الوثيق بالمشروع الإيرانيّ، حيث عزّز الحزب حضوره بعد انسحاب الجيش السّوريّ، لكنّه في الوقت عينه، كرّس اختلال التّوازن الدّاخليّ عبر سلاحه ودوره الإقليميّ، ما جعله عاملا حاسمًا في استحالة تحقيق ” السّلام الممكن” في لبنان. ويعترف جنبلاط بأنّ كتلته النّيابيّة هي من أثار قضية شبكة الاتصالات الخاصّة بالحزب، والّتي تسببت لاحقًا بأحداث 7 أيّار، إلاّ أنّه عند اشتعال المعركة ” أوعزت إلى حرّاسي بضرورة عدم الردّ، وعدم الخروج من المحيط الّذي حدّدته لهم، تلافيًا لأي استفزاز” (258)، لأنّه خشي من اندلاع صراع بين الدّروز والشّيعة.
من هنا يبدو جنبلاط وكأنّه يتبنّى خطابًا سياسيّا، يزاوج فيه ما بين البعد الأخلاقيّ والبعد البراغماتيّ، لإدراكه طبيعة الأرض الرّمليّة الّتي يقف عليها، وهو لا يقترح آليات واضحة لتجاوز العقبات البنيويّة في المجتمع الّلبنانيّ المأزوم، ما يبقي خطابه أقرب إلى إعادة إنتاج الرّؤية الإصلاحيّة التّنظيريّة، المتأرّجحة ما بين المثالية الأخلاقيّة والبراغماتيّة السياسيّة.
الرّؤية الاستشرافيّة:
لا يمكن لهذه القراءة أن تكتمل من دون التّوقّف عند العنوان المكثّف الجامع ما بين الدّلالة الفلسفيّة والسيّاسيّة الّذي وظّفه جنبلاط عتبة نصيّة لسيرته، حيث يبرز فيه الرّبط لوجوده القدريّ القدر في المشرق، باستحالة العبور ” من الحرب الأهليّة إلى السّلام”، وهو التّبشيير الّذي افتتح به السّيرة، من خلال المقدمة الّتي عكست شعوره باليأس، بسبب صمت الشّعوب العربيّة، وسيادة الحكم الدّكتاتوري لشعوب المنطقة، وخوف هذه الشّعوب، ما يجعله يشعر بأنّه يعيش ” حربا لا نهاية لها” (18)، الأمر الّذي ولّد في ذاته التّشويش، وانعدام اليقين ” إلى أين سيوصلنا ذلك؟ …ولا تزال لعنة التّاريخ تلاحقنا بلا هوادة”، بذلك لا يعود السّلام المستحيل مجرّد عنوان، بل توصيف لجدليّة الخطاب والممارسة واستقراء الآتي، حيث يظلّ المثال حاضرًا في النّصوص، فيما الواقع يفرض حدودًا صارمة تسستعصي على إمكانية التّحقيق (18)
خلاصة القول:
تمثّل سيرة الزّعيم وليد جنبلاط ” قدر في هذا المشرق” شهادةً سياسيّة شخصيّة، أكثر منها مرجعًا تاريخيّا محايدًا، حيث تداخل في متنها السّرد الذّاتيّ بالتّوثيق السّياسيّ في خطاب مشوّق سلس يضع قارئه في أجواء لم تتح له فرصة معاينتها، أو المشاركة فيها كما فعل صاحبها بحكم موقعه الاجتماعيّ والسّياسيّ المعروف.
وإن كان الخطاب يظهر أحيانًا متناقضًا في جوهره مع النّظريّة الاشتراكيّة الّتي تنادي بالمساواة والعدالة الاجتماعيّة، إذ نجده يرفع شعار الدّفاع عن الفئات المهمّشة، أو “الأقلية”، نراه يبرّر تحالفات مع قوى سلطويّة ” كخيار الضّرورة”، وهو ما يتعارض مع مبدأ مقاومة الهيمنة، كما أنّ براغماتيته السّياسيّة، تجعله يبتعد عن الطّرح الاشتراكيّ الصّميم الّذي التزم به الزّعيم المفكّر كمال جنبلاط، والّذي يفترض التزامًا بالقيم لا بالمصالح الآنية، ما يجعل خطابة أقرب إلى توظيف الاشتراكيّة كرمز سياسيّ، لا كممارسة متسقة مع مبادئها الجوهريّة.
هذه الطّبيعة للكتاب/ السّيرة تجعل منه مادّة غنيّة للنّقد والتّحليل، وتُبرز أهميّته كنصّ مفتوح للنّقاش الرّصين، وقد تحسن مراجعته في إطار القراءات المقارنة مع قراءات شهادات أخرى لزعماء، ومحلّلين محلّيين وعالميين، كفرانسوا ميتران، أدوارد سعيد وسمير قصير وآخرين ممن الّذي استشهد بأقوالهم وأفكارهم، بما يتيح فهمًا أعمق لديناميات المشرق، ولتناقضات الخطاب السّياسيّ في أنحائه، ولدى جماعاته.
ولعلّ من الإنصاف بمكان العودة مجدّدا، ومن خلال الصّفحة الأخيرة من هذا الكتاب، إلى ما قاله وليد جنبلاط بشجاعة وبموضوعيّة: ” أنا لم أكن كمال جنبلاط، وابني لن يكون وليد جنبلاط، كان كمال جنبلاط يريد إخراج الدّروز من الحيّز الطّائفيّ الضيّق إلى تحالف عربيّ عريض، فيما انصبّ جهدي على إخراج الدّروز من أتون الحرب الأهليّة” (279) بحكم طبيعة المرحلة، آملين أن يسعى كلّ زعماء هذه البلاد، وسواها من البلدان الّتي تشبهها في مآزمها، إلى الخروج من دوائر الطّوائف الضّيقة الّتي لم تجلب لأبنائها يومًا، سوى الحروب والمآسي، إلى رحاب الأخوّة الإنسانيّة، والاستضاءة بهَدي العقل عسانا نقرّب السّلام المستحيل، ونجعله متاحًا في قادم السّنوات.
هدى عيد - الوكالة العربية الافريقية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|