عربي ودولي

جزر الكوريل في الحسابات الأميركية: لماذا أعادت واشنطن تثبيت سيادة اليابان الآن؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليبانون ديبايت" - منير شحادة

 

في ظاهر الأمر، تبدو قضية جزر الكوريل الجنوبية نزاعاً إقليمياً قديماً بين روسيا واليابان، يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن إعادة الولايات المتحدة تأكيد دعمها للموقف الياباني في هذه القضية، بالتزامن مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزيرة إيتوروب المتنازع عليها في 13 آب ٢٠٢٦ ، تكشف أن الجزر الأربع قد تكون تحولت من ملف تاريخي جامد إلى ورقة في صراع جيوسياسي أوسع على مستقبل شرق آسيا.

 

والأهم هنا هو التمييز بين أمرين: واشنطن لم تعترف للمرة الأولى الآن بالسيادة اليابانية على الجزر ، فالولايات المتحدة أعلنت في مناسبات سابقة دعمها للموقف الياباني من (الأقاليم الشمالية). الجديد هو التوقيت السياسي لإعادة إبراز هذا الموقف، في لحظة تشهد فيها العلاقات الروسية-اليابانية تدهوراً واضحاً، وتزداد فيها أهمية اليابان في الاستراتيجية الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ.

 

بوتين يعيد القضية إلى الواجهة

 

جاءت زيارة بوتين إلى إيتوروب في توقيت بالغ الدلالة. فهي أول زيارة شخصية له إلى جزر الكوريل المتنازع عليها، وقد شملت جولة في مدرسة ومستشفى ومنشأة لمعالجة الأسماك، في رسالة روسية واضحة بأن موسكو تتعامل مع الجزر باعتبارها أرضاً روسية وليست منطقة تنتظر تسوية مستقبلية.

 

وقد ردت طوكيو بقوة، معتبرة الزيارة غير مقبولة، فيما أكدت موسكو أن سيادتها على الجزر ثابتة. وهكذا تحولت الزيارة من حدث بروتوكولي إلى رسالة سيادية روسية مباشرة إلى اليابان.

 

وهنا يأتي الموقف الأميركي.

 

فعندما تعيد واشنطن تثبيت دعمها للموقف الياباني في هذا التوقيت، فهي لا تتعامل فقط مع نزاع على أربع جزر، بل مع السلوك الروسي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

 

لماذا الجزر الأربع مهمة إلى هذه الدرجة؟

 

الأقاليم الشمالية، وفق التسمية اليابانية، هي: هابوماي، شيكوتان، كوناشيري وإيتوروفو. وتقول طوكيو إنها أراضٍ يابانية، فيما تعتبرها موسكو جزءاً من جزر الكوريل الروسية.

 

والجزر ليست ذات أهمية رمزية فقط.

 

موقعها الجغرافي يجعلها جزءاً من منظومة استراتيجية تتحكم بممرات بحرية بين بحر أوخوتسك والمحيط الهادئ. كما أن روسيا عملت خلال السنوات الماضية على تعزيز وجودها العسكري في منطقة الكوريل، بما يزيد قيمتها في الحسابات العسكرية الروسية في أقصى الشرق.

 

وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

 

لمن تعود الجزر؟

 

بل:

 

من يملك القدرة على التحكم بالفضاء البحري والعسكري المحيط بها؟

 

وهنا تتضح أهميتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

واشنطن تريد تثبيت اليابان كركيزة استراتيجية

 

اليابان هي واحدة من أهم ركائز الوجود الأميركي في آسيا. وفي ظل صعود القوة الصينية، والتوتر حول تايوان، والبرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، أصبحت اليابان أكثر أهمية في الحسابات الأميركية.

 

وفي المقابل، تجد طوكيو نفسها أمام ثلاثة مصادر ضغط جغرافي متجاورة: الصين، روسيا وكوريا الشمالية.

 

وهذا يفسر لماذا أصبح تعزيز التحالف الأميركي-الياباني هدفاً استراتيجياً وليس مجرد تحالف تقليدي.

 

عندما تدعم واشنطن الموقف الياباني في قضية الجزر، فإنها ترسل إلى طوكيو رسالة سياسية مفادها:

 

الولايات المتحدة لن تترك اليابان وحيدة في مواجهة الضغوط الإقليمية.

 

وهذا الدعم له قيمة تتجاوز الجزر نفسها، لأنه يعزز استعداد اليابان للقيام بدور أمني وعسكري أكبر في المنطقة.

 

الرسالة الثانية موجهة إلى موسكو

 

في المقابل، هناك رسالة روسية تريد واشنطن الرد عليها.

 

موسكو، التي تواجه الغرب في أوكرانيا وتقترب أكثر من الصين، تعمل على تعزيز حضورها في آسيا والمحيط الهادئ. كما أن التعاون الروسي-الصيني المتزايد، والتقارب الروسي مع كوريا الشمالية، يخلق مثلثاً استراتيجياً يقلق اليابان والولايات المتحدة.

 

ومن هنا يمكن قراءة إعادة التأكيد الأميركي على الموقف الياباني باعتبارها جزءاً من سياسة احتواء أوسع للنفوذ الروسي في شرق آسيا.

 

فالرسالة ليست بالضرورة أن واشنطن تتوقع استعادة اليابان للجزر بالقوة ، فهذا سيناريو غير واقعي وخطير. الرسالة الأهم هي أن الولايات المتحدة لا تقر بتحويل السيطرة الروسية القائمة منذ ١٩٤٥ إلى أمر قانوني نهائي غير قابل للنقاش.

 

وهنا تدخل أوكرانيا في المعادلة

 

ثمة بُعد دولي شديد الأهمية.

 

الولايات المتحدة وحلفاؤها يركزون منذ الحرب الروسية-الأوكرانية على مبدأ أساسي: رفض تغيير الحدود بالقوة.

 

وبالتالي، فإن دعم المطالبة اليابانية في الكوريل يسمح لواشنطن بإعادة التأكيد على المبدأ نفسه في آسيا.

 

لكن هنا تكمن مفارقة كبيرة.

 

روسيا تقول إن وضع الجزر حُسم بنتائج الحرب العالمية الثانية والترتيبات الدولية التي أعقبتها، بينما ترى اليابان أن الجزر الأربع لا تدخل ضمن الأراضي التي تخلت عنها بموجب معاهدة سان فرانسيسكو. اليابان تستند إلى قراءة مختلفة للترتيبات القانونية والتاريخية المتعلقة بهذه الجزر.

 

ولهذا فإن القضية ليست مجرد خلاف على الخرائط، بل نزاع على تفسير النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

 

لماذا اختار بوتين هذا التوقيت؟

 

زيارة بوتين نفسها تحمل أكثر من رسالة.

 

أولاً، يريد الرئيس الروسي التأكيد أن موسكو لا ترى أي سبب للتراجع عن سيادتها على الجزر.

 

ثانياً، جاءت الزيارة في ظل توتر روسي-ياباني متزايد بسبب دعم اليابان للعقوبات الغربية على روسيا بعد حرب أوكرانيا.

 

ثالثاً، الزيارة تحمل رسالة داخلية روسية أيضاً: الأراضي التي تسيطر عليها روسيا لن تصبح موضوعاً للمساومة تحت الضغط الخارجي.

 

رابعاً، فإن ظهور الرئيس الروسي شخصياً في إحدى الجزر المتنازع عليها يعطيها وزناً سيادياً يفوق البيانات الرسمية.

 

بمعنى آخر، بوتين لم يقل فقط إن الجزر روسية ، بل ذهب إليها بنفسه.

 

هل تريد واشنطن تحويل الكوريل إلى جبهة جديدة ضد روسيا؟

 

ليس بالضرورة.

 

وهنا يجب تجنب المبالغة.

 

من غير المرجح أن تكون الولايات المتحدة راغبة في فتح نزاع عسكري جديد بين روسيا واليابان بسبب الجزر. فواشنطن تعرف أن روسيا قوة نووية، وأن فتح جبهة جديدة في شرق آسيا سيكون شديد الخطورة.

 

لكن الهدف الأكثر واقعية هو رفع كلفة الضغط الروسي على اليابان، وتعزيز موقع طوكيو التفاوضي والأمني، وربط السلوك الروسي في أوروبا بسلوكه في آسيا.

 

وهذا يعني أن واشنطن تستطيع استخدام قضية الكوريل كورقة سياسية من دون أن تتحول إلى طرف عسكري مباشر في النزاع.

 

الجزر أيضاً جزء من معركة بحرية

 

ثمة جانب عسكري لا ينبغي تجاهله.

الكوريل ليست مجرد أراضٍ بركانية متباعدة ، إنها سلسلة جزر تمتد بين اليابان وشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية، وتشكل جغرافياً جزءاً مهماً من الوصول الروسي إلى المحيط الهادئ.

 

ولهذا فإن تعزيز روسيا لقدراتها العسكرية في المنطقة يجعل القضية مرتبطة مباشرة بالتوازن البحري والجوي في شمال غرب المحيط الهادئ. وتشير التحليلات إلى أن روسيا عززت وجودها العسكري في الجزر ونشرت قدرات صاروخية وطائرات فيها.

 

وهذا يعني أن أي تغيير في وضع الجزر لن يكون مجرد تغيير في السيادة على أراضٍ صغيرة، بل يمكن أن يؤثر في التوازن الاستراتيجي بين روسيا واليابان والولايات المتحدة في المحيط الهادئ.

الصين هي الغائب الحاضر

 

لكن ربما تكون الصين هي المستفيد الأكبر من قراءة موسكو لهذه القضية.

 

فكلما ازداد التوتر بين روسيا واليابان، ازدادت حاجة موسكو إلى الشراكة مع بكين.

 

وهذا يخلق مفارقة بالنسبة إلى واشنطن: فهي تريد دعم اليابان ضد الضغوط الروسية، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الضغط على روسيا في شرق آسيا قد يدفعها أكثر نحو الصين.

 

وهكذا يمكن أن تتحول جزر الكوريل إلى حلقة في سلسلة أوسع:

 

روسيا تضغط على اليابان ، اليابان تقترب أكثر من الولايات المتحدة ، واشنطن تعزز وجودها في المنطقة ، روسيا تتقارب أكثر مع الصين وكوريا الشمالية.

 

وهذه الدائرة قد تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب العسكري في شرق آسيا.

 

هل يمكن أن تصبح الجزر ورقة تفاوضية؟

 

هنا يكمن أحد أكثر الاحتمالات إثارة للاهتمام.

 

رغم أن موقف واشنطن الداعم لليابان واضح، فإن الولايات المتحدة ليست الطرف الذي يستطيع وحده حل النزاع. الحل يحتاج إلى تفاهم روسي-ياباني.

 

لكن في حال نشأت مستقبلاً مفاوضات أوسع بين واشنطن وموسكو حول أوكرانيا أو العقوبات أو الترتيبات الأمنية الأوروبية والآسيوية، فقد تصبح الملفات الآسيوية جزءاً من سلة تفاوضية أكبر.

 

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستساوم مباشرة على أرض يابانية، فهذا استنتاج لا توجد أدلة كافية عليه حالياً. لكن منطق العلاقات الدولية يسمح باستخدام قضايا إقليمية متعددة في بناء أوراق ضغط متبادلة.

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للجزر: إنها ورقة صغيرة جغرافياً، لكنها متصلة بملفات كبرى.

 

أخطر ما في القضية: سابقة الحدود

 

المسألة في جوهرها تتجاوز روسيا واليابان.

 

إذا أصبح من المقبول أن تؤدي السيطرة العسكرية الطويلة على أرض متنازع عليها إلى تحويلها تلقائياً إلى أمر واقع غير قابل للنقاش، فإن ذلك يضعف مبدأ رفض تغيير الحدود بالقوة.

 

ولهذا فإن واشنطن، عندما تدعم اليابان، لا تدافع بالضرورة عن اليابان فقط ، بل تحاول أيضاً الدفاع عن قاعدة سياسية في النظام الدولي تتعلق بعدم الاعتراف بسهولة بالنتائج الإقليمية للحروب.

 

لكن روسيا سترد بأن قضية الكوريل مختلفة، وأنها مرتبطة بنتائج الحرب العالمية الثانية وترتيبات ما بعد الحرب، وبالتالي فإن موسكو لن ترى في الموقف الأميركي موقفاً قانونياً محايداً، بل أداة من أدوات الضغط الجيوسياسي عليها.

 

أربع جزر تكشف صراعاً أكبر

 

من الخطأ النظر إلى قضية الكوريل باعتبارها نزاعاً حدودياً روسياً-يابانياً عمره أكثر من ثمانية عقود فقط.

 

زيارة بوتين إلى إيتوروب في آب ٢٠٢٦ أعادت إحياء الملف في لحظة شديدة الحساسية، ودفعت اليابان إلى الاحتجاج، فيما أعادت روسيا التأكيد على سيادتها.

 

وفي هذا السياق، يصبح الدعم الأميركي لليابان جزءاً من إعادة رسم ميزان القوى في شرق آسيا.

 

واشنطن تريد من خلاله تثبيت اليابان كحليف مركزي، ورفع كلفة الضغط الروسي عليها، وتعزيز مبدأ رفض تغيير الحدود بالقوة، وفي الوقت نفسه مواجهة البيئة الاستراتيجية التي تجمع روسيا والصين وكوريا الشمالية.

 

أما موسكو، فتريد أن تقول إن سيطرتها على الكوريل ليست ورقة تفاوضية مفتوحة، وإن وجودها العسكري والسيادي في أقصى الشرق جزء من مصالحها الاستراتيجية التي لن تتخلى عنها بسهولة.

 

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست على مساحة الجزر الأربع وحدها.

 

إنها معركة على من سيرسم قواعد النظام الأمني في المحيط الهادئ خلال العقود المقبلة: الولايات المتحدة وحلفاؤها، أم روسيا والصين وشركاؤهما؟

 

وقد تكون جزر الكوريل الصغيرة واحدة من النقاط التي سيُقاس عندها حجم التحول في ميزان القوى العالمي.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا