العام الدراسي في الجنوب: ثانويات بلا مبانٍ وقرارات بلا آليات
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي 2026 - 2027، لا تبدو العودة إلى التعليم في الجنوب والنبطية مجرّد مسألة فتح أبواب المدارس والثانويات الرسمية. ففي منطقة أنهكتها الحرب، يرتبط مصير عدد من الثانويات بالوضع الأمني، وبحجم الأضرار التي لحقت بالمباني، وبقدرة الأهالي والطلاب والأساتذة على الوصول إليها، وقدرة الإدارات على تأمين التعليم البديل، والأهم بقرارات تنفيذية واضحة من وزارة التربية لم تصدر بعد.
وضعت الوزارة خطة لاستمرارية التعلّم، تقضي بأن يكون التعليم حضورياً في المؤسسات التي تستوفي شروط السلامة العامة والجاهزية، وأن يبدأ التعليم مؤقّتاً عن بُعد في المناطق المتضررة، إلى حين استكمال التقييم واتخاذ القرار المناسب. كما تنص الخطة على الحفاظ على «المدرسة الأم»، حتى عند الانتقال مؤقّتاً إلى مبنى آخر.
لكن، بحسب مديري ثانويات تواصلت معهم «الأخبار»، لا تزال الفجوة كبيرة بين الخطة ومستلزمات تطبيقها على الأرض.
الجنوب ليس حالة واحدة
ولا تنحصر المشكلة بالثانويات الواقعة ضمن ما يُعرف بـ««المنطقة الصفراء»، إذ إن هناك ثانويات خارجها، يتعذّر على الأساتذة والطلاب الوصول إليها بسبب الموقع والظروف الأمنية.
ثانوية كامل الصباح الرسمية، القريبة من تلة علي الطاهر، تستعد مثلاً للتعليم عن بُعد رغم أنها ليست داخل هذه المنطقة. وفي المقابل، توجد ثانويات خارج «المنطقة الصفراء» تستطيع العودة إلى التعليم الحضوري، لكن أمامها تحدّيات أخرى، أبرزها تأمين الهيئة التعليمية والطلاب. وثمة ثانويات متضرّرة بدرجات متفاوتة تحاول إداراتها العودة حضورياً، فيما يبقى نجاح هذه المحاولة مرتبطاً بالوضع الأمني، وإقبال الطلاب، وعودة الأساتذة.
أمّا في الثانويات الواقعة في «المنطقة الصفراء»، فالصورة أكثر وضوحاً: العودة الحضورية تبدو متعذّرة، وثانويات في بلدات مثل ميس الجبل والطيبة والخيام وعيتا الشعب وبنت جبيل وحولا تتجه، وفق المديرين، إلى التعليم عن بُعد حكماً.
وهنا تنتقل المشكلة إلى مكان آخر: هل ستؤمَّن الأجهزة والإنترنت للطلاب؟ وهل سيتمكن الأساتذة من الحصول على اتصال بالإنترنت يسمح لهم بإعطاء حصصهم بصورة منتظمة؟
القرار الشفهي لا يكفي
يقول المديرون إن وزارة التربية لم تصدر حتى الآن قرارات خطية تحدّد بدقة آلية التعامل مع الثانويات الأمامية والمحاذية. وبحسب هؤلاء، كانت هناك موافقات مبدئية شفهية على تصوّر يقضي بتسجيل الطالب في ثانويته الأم، ومتابعته التعليم عن بُعد فيها، مع إعطائه الحق في الالتحاق حضورياً بثانوية قريبة من مكان سكنه، على أن يبقى تابعاً إدارياً للثانوية التي سُجّل فيها، ويدفع رسم التسجيل فيها، وتصدر نتيجته منها.
لكنّ المديرين يعتبرون أن الموافقة الشفهية لا تكفي، لذلك يطالبون بآليات حاسمة للتسجيل والدوام وإصدار النتائج تمنع الاجتهادات المتباينة.
بالنسبة إلى الأهالي، لا يتعلق الأمر بالتفاصيل الإدارية وحدها. فهم قلقون من الوضع الأمني، ويحتاجون إلى أن يعرفوا، قبل تسجيل أبنائهم، أين سيتعلمون، وهل سيكون التعليم حضورياً أم عن بُعد، وما إذا كان بإمكان أولادهم الالتحاق بثانوية قريبة من مكان سكنهم.
ويضاف إلى القلق الأمني العبء المالي. فرسم التسجيل الذي يقارب 150 دولاراً سنوياً قد لا يبدو كبيراً في الظروف العادية، لكنه يصبح عبئاً على عائلات خرجت من الحرب بأوضاع اقتصادية صعبة، وخصوصاً الأسر التي لديها ثلاثة أو أربعة أبناء.
لهذا، يقول مديرون إنهم يسجّلون الطلاب حالياً من دون استيفاء الرسوم، بانتظار حلّ من وزارة التربية لتغطية هذه الكلفة، ولا سيما في محافظتي الجنوب والنبطية، بالحد الأدنى.
الثانوية المُدمّرة تبقى «أمّاً»
لا تعني المحافظة على «الثانوية الأم»، وفق ما يقول مديرون، المحافظة على عنوان إداري فقط. فالثانوية مؤسسة تضم طلاباً وهيئة تعليمية وإدارية ومستخدمين وسجلّات وصندوقاً مالياً، حتى عندما يصبح مبناها غير صالح لاستقبال الطلاب.
وهنا تظهر مشكلة صناديق بعض هذه الثانويات التي تعاني نقصاً في الموارد، فيما تبقى عليها التزامات تجاه المستخدمين.
ويلفت المديرون إلى أن هؤلاء المستخدمين لا ذنب لهم في تدمير الثانويات، واستمرار دفع مستحقاتهم يحتاج إلى موارد لا تملكها الصناديق حالياً. وبذلك، لا يلغي انتقال الطلاب إلى التعليم عن بُعد الأكلاف التشغيلية. فالثانوية التي لا تستقبل طلاباً حضورياً تحتاج، رغم ذلك، إلى إدارة ومتابعة ومستخدمين وتمويل وتجهيزات واتصال بالإنترنت.
في الجانب التعليمي، كانت وزيرة التربية، ريما كرامي، تصرّ على نصاب يبلغ 20 حصة أسبوعياً، قبل الموافقة على 18 حصة مع أربعة أيام تعليم في الأسبوع. وفي اجتماع عقد قبل نحو شهر بين ممثّلين عن مديري الثانويات في محافظتي الجنوب والنبطية ومديرية التعليم الثانوي، عرض المديرون واقع الثانويات، مقسّمين إياها عملياً بين مؤسسات مدمّرة أو متضررة جزئياً وأخرى يمكنها، من حيث المبدأ، العودة إلى التعليم الحضوري.
لكن حتى في الثانويات القابلة للعودة، لا تكفي صلاحية المبنى، إذ إن هناك إقبال الطلاب، وعودة الأساتذة إلى ثانوياتهم، واحتمال انتقال بعضهم إلى مؤسسات أقرب إلى أماكن سكنهم. ففي مجدل سلم مثلاً، يرى المديرون أن العودة الحضورية ممكنة حتى مع تضرر مبنى الثانوية، عبر غرف جاهزة أو مساحة بديلة.
أمّا قرارات نقل الأساتذة التي صدرت أخيراً، فيقول المديرون إنها لم تُبنَ على دراسة كافية لحاجات كل ثانوية، ولم تتم استشارتهم بشأنها، علماً أن حاجات كل ثانوية جزء أساسي من أي قرار يتعلق بتوزيع الكادر التعليمي.
ما هي الثانويات المتعثّرة؟
يشعر عدد من المديرين بأن متابعة وزارة التربية للملف لم تصل بعد إلى مستوى تعقيده، وأن بعض التفاصيل لا تزال متروكة للاجتهاد. ويستشهد أحدهم باتصال تلقّاه من موظف في الوزارة للاستفسار عمّا إذا كانت ثانويته قد تضررت وما إذا كان سيذهب إليها، رغم أن المبنى مُدمّر منذ عام 2024. بالنسبة إليه، يعكس هذا المثال ضعفاً في التنسيق والمواكبة.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب العمل داخل الوزارة، لكنه يكشف، من وجهة نظر الإدارات، الحاجة إلى قناة متابعة أكثر انتظاماً، تعرف واقع كل ثانوية وطلابها وأساتذتها، بدلاً من إعادة جمع المعلومات نفسها في كل مرحلة.
ولا تتوقف الأسئلة التي ينتظر المديرون إجابات عنها عند آليات التسجيل والانتقال، إذ يبقى تعريف «الثانوية المتعثّرة» الوارد في خطة الوزارة بحاجة إلى توضيح. فهل المقصود تلك التي دُمّر مبناها أو أصبح غير صالح للتعليم؟ أم الثانوية التي تضم عدداً قليلاً من الطلاب؟ أم أن التصنيف يمكن أن يشمل الحالتين؟
فهناك ثانوية قد يكون مبناها سليماً، لكن الوصول إليها متعذّر بسبب موقعها والظروف الأمنية، وأخرى قد تكون متضررة ويمكن تأمين مبنى مؤقّت لها، فيما توجد ثانوية مدمّرة بالكامل ولا يمكنها استقبال الطلاب.
وبحسب المديرين، فإن تحديد معايير واضحة وموحّدة لتصنيف الثانويات سيحدّد بدوره المسار الذي سيسلكه كل منها، من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بُعد أو الانتقال إلى مكان بديل، كما سيحدّد كيفية التعامل مع طلابها وهيئتها التعليمية والإدارية.
تضرّر 340 مبنى
تشير أرقام رسمية إلى تضرّر 340 مبنى تربوياً بين رسمي وخاص، بينها 239 مبنى رسمياً، فيما دُمّر 20 مبنى رسمياً بالكامل وتعرّض 90 مبنى لأضرار شديدة أو متوسطة. كما طاولت الأضرار 35 معهداً ومدرسة مهنية رسمية وخاصة، بينها أربعة مبانٍ مُدمّرة بالكامل، فيما يواجه نحو 100 ألف طفل خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة، وفق بيان اليونيسف الصادر في 2 تموز 2026.
وتقع غالبية المباني المُدمّرة بالكامل في القرى الأمامية، حيث تبدو العودة الحضورية متعذّرة في المدى القريب. لكن حتى المناطق الأكثر أماناً تواجه تحدّياتها: بعض المدارس والثانويات استُخدمت خلال الحرب مراكز لإيواء النازحين، وبعض الأهالي لم يعودوا بعد إلى قراهم بفعل الدمار أو استمرار الاحتلال أو عدم الاستقرار.
وهذا يعني أن عدد الطلاب المتوقّع في كل ثانوية لن يكون بالضرورة هو نفسه الذي كانت عليه الأعداد قبل الحرب، وأن صلاحية المبنى لا تكفي وحدها لتحديد قدرة المؤسسة على العودة إلى التعليم الحضوري.
فاتن الحاج - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|