الصحافة

من علي الطاهر إلى النبطية: نتنياهو بدأ معركة الانتخابات؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

عند الثالثة من فجر أمس السبت، خرجت عقدة تلّة عليّ الطاهر من غرف التفاوض إلى سماء النبطيّة. استهدفت سبع غارات المرتفعات، قبل أن تمتدّ الضربات إلى مدينة النبطيّة الفوقا وقريتَي أنصار ودير الزهراني، في تصعيد واسع أعاد الجنوب إلى مشهد الحرب. وفي أنصار، سقط سبعة شهداء، بينهم أطفال ونساء، بعدما استُهدف منزل مأهول، فيما أوقعت غارات دير الزهراني مزيداً من الشهداء والجرحى.

قدّمت إسرائيل روايتها سريعاً. فقد أعلن مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أنّ عناصر من “الحزب” هاجموا جنوداً إسرائيليين داخل ما تسمّيه إسرائيل “المنطقة الأمنيّة التي تحمي المستوطنات”، متحدثاً عن وقوع جرحى في صفوف الجيش الإسرائيليّ. وقال إنّ الغارات استهدفت مقرّاً تابعاً لـ”الحزب” كانت صدرت منه أوامر الهجوم، معتبراً أنّ ما حصل يشكّل انتهاكاً لوقف إطلاق النار. ولاحقاً، أعلن الجيش الإسرائيليّ اغتيال علي سمير الحاج حسن، الذي وصفه بأنّه قائد في “قوّة الرضوان”، فيما لم يصدر عن “الحزب” أيّ بيان.

حجم الغارات واتّساع رقعتها، إلى جانب عودة الاغتيالات، أبعد من أن يُقرآ ردّاً موضعيّاً على حادث أمنيّ. فالقراءة الدبلوماسيّة تضع ما حصل في سياق أوسع: فشل التفاوض في تفكيك عقدة عليّ الطاهر، عودة إسرائيل إلى الضغط بالنار، واقتراب الأسابيع التي تسبق الانتخابات الإسرائيليّة، والتي يحتاج فيها نتنياهو إلى إنجاز يمكن تقديمه بوصفه تغييراً ميدانيّاً لا مجرّد جولة تفاوضيّة جديدة وحسب.

روما انتهت إلى الأسوأ… ولا اجتماع عسكريّاً في أيلول

جاء التصعيد فيما كان رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان (MCG4L) الجنرال جوزف كليرفيلد يعود من إسرائيل إلى بيروت ويجول على القيادات اللبنانيّة. لكنّ حصيلة حركته، وفق المعلومات المتوافرة، لا تزال محاولات لتقريب المواقف، ولم تتحوّل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

تكشف معلومات خاصّة بـ “أساس” أنّه، خلافاً لما جرى تداوله، لم يُقرَّر حتّى الساعة إجراء مفاوضات بين الوفدين العسكريَّين في شهر أيلول المقبل. وكان الاجتماع الأخير في روما بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ قد انتهى إلى خلاصة سلبيّة جدّاً، إذ عمّق الخلاف على ترتيب الخطوات، والجهة التي ستتولّى التدقيق في المناطق التجريبيّة، علاوة على حدود مهمّة الجيش اللبنانيّ. أمّا المفاوضات السياسيّة فلم يُحسم انعقادها بعد، وباتت مرتبطة مباشرة بما ستنتجه التطوّرات على الأرض.

يعمل كليرفيلد على إبقاء مسارين مفتوحين:

1 ـ إنشاء لجنة مراقبة وتحديد الدول المشاركة فيها وصلاحيّاتها والجهة التي ستتولّى التحقّق في المناطق التجريبيّة.

2 ـ توسيع نموذج “المناطق التجريبيّة”، بما يتيح للجيش اللبنانيّ الدخول إلى مناطق إضافيّة وتولّي المهمّة فيها. إلّا أنّ إسرائيل لا تزال ترفض هذا التوسيع، وترفض الانسحاب من محيط تلّة عليّ الطاهر لتسليم المرتفعات إلى الجيش اللبنانيّ.

العقدة في ترتيب الخطوات

في الجهة المقابلة، يتمسّك “الحزب” بمعادلة واضحة: لا تسليم لتلّة عليّ الطاهر قبل انسحاب إسرائيليّ كامل. وقد أبلغ المعنيّين استعداده لتسليم المنطقة إلى الجيش فور حصول الانسحاب. هكذا تحوّلت العقدة إلى صراع على ترتيب الخطوات: تريد إسرائيل تغيير الواقع الأمنيّ قبل الانسحاب، ويريد “الحزب” أن يبدأ الترتيب بالانسحاب، فيما لا يستطيع الجيش اللبنانيّ تولّي منطقة لا تزال القوّات الإسرائيليّة موجودة فيها.

الموقف الرسميّ اللبنانيّ عبّر عنه رئيس الحكومة نوّاف سلام من زاويتين. فقد رفض تحويل المدنيّين الذين قُتلوا في أنصار إلى “بنية تحتيّة عسكريّة”، وفي الوقت نفسه شدّد على أنّ التعامل مع أيّ بنى عسكريّة، إن وجدت على الأراضي اللبنانيّة، هو مسؤوليّة الدولة والجيش حصراً. وهو بذلك رفض الذريعة الإسرائيليّة، وثبّت في المقابل مرجعيّة الدولة في معالجة السلاح. أمّا رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي فينطلق من أولويّة الانسحاب الكامل، ولا يرى في المناطق التجريبيّة بديلاً عن استعادة الأرض وتمكين الجيش من الانتشار عليها.

تحاول واشنطن إبقاء “الباب السياسيّ” مفتوحاً من خلال حركة كليرفيلد، لكنّها لم تنجح حتّى الآن في انتزاع قبول إسرائيليّ بتوسيع المناطق التجريبيّة أو إنتاج آليّة تدقيق تحظى بموافقة الجميع. ومع تعليق المسار العسكريّ وعدم حسم المسار السياسيّ، بات الميدان هو الذي يحدّد موعد التفاوض، لا العكس.

بالتزامن مع التصعيد، رفع رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف سقف الرسائل. قال إنّه ما يزال “على تواصل مع المقاتلين في الصفوف الأماميّة في لبنان”، وكشف أنّه أوقف المفاوضات في أعقاب الغارة الإسرائيليّة الأخيرة على الضاحية الجنوبيّة، وهدّد حينها بردّ إيرانيّ واسع إذا واصلت إسرائيل التصعيد. وقال إنّ لبنان و”جبهة المقاومة” والتصعيد في لبنان ووقف الحرب عليه أُدرجت في البند الأوّل من مذكّرة التفاهم التي تفاوضت عليها طهران.

بصرف النظر عن التفاصيل التي رواها قاليباف بشأن تلك المرحلة، يحمل توقيت كلامه رسالة مباشرة: إنّ تلّة عليّ الطاهر لم تعد عقدة لبنانيّة ـ إسرائيليّة منفصلة عن الإقليم، بل باتت على تماسّ مع المفاوضات الإيرانيّة ـ الأميركيّة ومع أوراق القوّة التي تستخدمها طهران، من لبنان إلى مضيق هرمز. وتتقاطع هذه الرسالة مع معلومات دبلوماسيّة تفيد بأنّ أيّ هجوم إسرائيليّ واسع لحسم الوضع في مرتفعات عليّ الطاهر قد يدفع بإيران إلى الدخول على خطّ التصعيد.

حجم الغارات واتّساع رقعتها أبعد من أن يُقرآ ردّاً موضعيّاً على حادث أمنيّ. فالقراءة الدبلوماسيّة تضع ما حصل في سياق أوسع
في المقابل، يتحرّك نتنياهو تحت ضغط موعد السابع والعشرين من تشرين الأوّل. لا تصنع الانتخابات وحدها السياسة الإسرائيليّة تجاه لبنان، لكنّها تضع لها سقفاً زمنيّاً. وبالتالي يصبح الميدان اللبنانيّ أحد أكثر الأماكن المتاحة أمامه لصناعة صورة “الإنجاز”: السيطرة على عليّ الطاهر، وفرض منطقة أمنيّة أوسع، أو دفع لبنان إلى قبول ترتيبات لم يحصل عليها في روما.

انطلاقاً من هذا المعطى، لا تبدو الغارات على النبطيّة وأنصار ودير الزهراني حادثة منفصلة انتهت بانتهاء الغارات، بل بداية محتملة لمسار تصعيد جديد. رفعت إسرائيل الضغط، لم يتراجع “الحزب” عن شرط الانسحاب، وأعلنت إيران أنّ لبنان داخل معادلتها التفاوضيّة، وتتمسّك الدولة اللبنانيّة بكون الجيش هو الجهة الوحيدة المخوّلة معالجة أيّ وضع عسكريّ.

أمّا كليرفيلد فيواصل التنقّل بين بيروت وإسرائيل بحثاً عن قاسم مشترك لم يظهر بعد. وإذا بقي الخلاف قائماً على مَن يخطو أوّلاً، فقد لا تكون الأسابيع المقبلة مرحلة التحضير لجولة جديدة في روما، بل مرحلة يرسم فيها نتنياهو شروط الجولة المقبلة بالنار.

جوزفين ديب- اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا