محليات

العفو العام: تشريع استثنائي يصون العدالة ولا يتعدى على السلطة القضائية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

 مالك الهزاع - مستشار المرصد اللبناني لحقوق السجناء

يشهد لبنان تطوراً تشريعياً بارزاً بإقرار البرلمان قانون العفو العام؛ وهو ليس مجرد إجراء قانوني عادي، بل خطوة حيوية لطي صفحة الماضي وتصحيح مسار العدالة الذي تعثر لسنوات.

ويأتي هذا القرار في سياق سياسي معقد شهدته المنطقة، مما يبرز حاجة البلاد الماسة إلى لملمة الجراح وتعزيز السلم الأهلي. إن إقرار قانون العفو العام لا يعني إغفال حقوق الضحايا، بل هو وسيلة لتحقيق العدالة التصالحية المعمول بها في العديد من الديمقراطيات لتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

كما أن العفو العام يعكس نضج الدولة في التعامل مع الأزمات عبر تغليب الحكمة السياسية على منطق العقاب المطلق، استناداً إلى تجارب دولية مماثلة نجحت في تجاوز مراحل الانقسام وبناء مستقبل مشترك.

نقاش فقهي قديم جديد

يتجدد النقاش الفقهي والسياسي كلما طُرح قانون العفو العام على بساط البحث التشريعي، حيث تبرز مخاوف تقليدية حول مدى إمكانية مساسه بمبدأ "فصل السلطات"، وما إذا كان يُشكّل افتراءً أو تدخلاً مباشرًا في صلاحيات السلطة القضائية. غير أن القراءة الدستورية والقانونية المتأنية تؤكد أن العفو العام ليس سوى تشريع استثنائي يمارسه البرلمان ضمن صلاحياته الأصلية، دون أن ينتزع من القضاء هيمنته أو يلغي استقلاليته.

صلاحية تشريعية لا تعدٍّ قضائي

تكمن الفلسفة القانونية للعفو العام في كونه يرفع "الصفة الجرمية" عن أفعال محددة ارتكبت في ظروف استثنائية، ليُعيد وضعها في إطار العدالة الانتقالية والمصلحة الوطنية العليا. فالنص الدستوري عندما منح البرلمان السلطة التشريعية لم يجعله قاضياً يقضي في القضايا، بل مشرّعاً يزن المصلحة العامة. بناءً عليه، فإن صدور العفو لا يعني إلغاء أبحاث القضاء أو تكذيب أحكامه، بل هو قرار سياسي-تشريعي يقرر إسقاط دعوى الحق العام لغايات أسمى تتصل بالسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، وتصحيح مسار العدالة.

 أداة لمعالجة الأزمات والانسداد العدلي

وبالتالي لا يأتي العفو العام كرفاهية تشريعية، بل يعتبر تدبيراً ضرورياً لمعالجة الأزمات الهيكلية التي تعجز عن حلّها آليات القضاء الاعتيادية. فعندما تتضخم أزمة اكتظاظ السجون وتتأخر المحاكمات لسنوات طويلة جراء الأزمات الاستثنائية، يتدخل المشرّع ليضع حدّاً لواقع إنساني وقانوني ضاغط. وعندها فإن تشريع العفو في هذه الحالة يمثل صمام أمان يحمي المنظومة القضائية ذاتها من الانهيار تحت ثقل الملفات المتراكمة، ويتيح لها التقاط أنفاسها لإعادة ترتيب بيتها الداخلي.

 الضوابط الدستورية وحماية الحقوق

إن تمييز العفو العام عن التدخل غير المشروع يظهر جلياً في الضوابط التي تحكمه؛ فهو لا يمسّ الحقوق الشخصية للمتضررين والمدعين، إذ تبقى الدعاوى المدنية والتعويضات من اختصاص القضاء للبت فيها. كما أن التشريع يحدد بدقة الجرائم المشمولة والاستثناءات المرتبطة بالقضايا الشديدة الخطر، مما ينفي عنه صفة العشوائية أو استهداف أحكام قضائية بعينها.

يبقى ان العفو العام هو خطوة سيادية حكيمة تُستخدم لتصفير الأزمات المجتمعية وفتح صفحات جديدة. إنه أداة تشريعية تكتمل بها دولة القانون؛ إذ يمارس المشرّع دوره الدستوري دون أن يسلب القاضي منصته، ليكونا معاً في خدمة الاستقرار والعدالة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا