لبنان ليس استثناءً… أرقى الديمقراطيات تسجن الصحافيين في هذه الحالات
يُختصر النقاش حول قانون الإعلام في لبنان أحياناً بمعادلة شديدة التبسيط: إما حرية صحافة مطلقة لا يقترب منها القانون الجزائي، وإما قمع للإعلام. غير أن العودة إلى تشريعات عدد من أعرق الديمقراطيات في العالم تكشف صورة أكثر تعقيداً. فالصحافة هناك محمية دستورياً وقضائياً، لكن هذه الحماية لا تتحول إلى حصانة شخصية، ولا تمنح الصحافي حق اختلاق الوقائع أو التشهير بالناس أو استخدام قوة المنبر لإلحاق ضرر متعمد بسمعة الآخرين من دون مسؤولية قد تصل، في حالات محددة، إلى السجن.
من هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة الجدل حول المادة 104 من قانون الإعلام اللبناني الجديد، التي تعاقب في بعض الحالات من “تعمد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية” بالحبس من 3 أشهر إلى 3 سنوات، إلى جانب الغرامة، مع تشديد العقوبة عندما تترتب على الأفعال نتائج شديدة الخطورة. ويمكن، بل يجب، مناقشة دقة هذه العبارات والضمانات المحيطة بها منعاً لأي استخدام تعسفي. لكن الاعتراض على صياغة مادة شيء، والقول إن وجود السجن في أي جريمة تتصل بالنشر يتناقض حكماً مع الديمقراطية شيء آخر.
كندا، على سبيل المثال، وهي من الدول التي تتمتع بتقاليد راسخة في حماية حرية التعبير، لا تلغي التشهير الجنائي بالكامل. فالمادة 300 من قانون العقوبات الكندي تنص على إمكان معاقبة من ينشر تشهيراً “يعلم أنه كاذب” بالسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات. والعبارة الحاسمة هنا ليست مجرد أن المعلومة كانت غير صحيحة، بل أن الناشر كان يعلم بكذبها ومع ذلك نشرها. أي أن القانون يميز بين الخطأ وبين الكذب المتعمد، وبين ممارسة صحافية قد تخطئ وبين استخدام النشر أداةً مقصودة لضرب سمعة شخص.
وفي الدنمارك، التي تُعد من أكثر دول العالم تقدماً في مؤشرات حرية الصحافة، يعاقب قانون العقوبات على بعض أشكال التشهير بالسجن. وتنص المادة 267 على عقوبة يمكن أن تصل إلى سنة، فيما تسمح المادة 268 برفعها إلى سنتين عندما يتعلق الأمر باتهام خطير غير صحيح أو باتهام يُنشر عبر وسيلة إعلام ويكون من شأنه إحداث ضرر كبير. لكن القانون نفسه يضع في المادة 269 ضمانة أساسية، إذ يأخذ في الاعتبار وجود أساس واقعي كافٍ للمعلومة، وحسن النية، والمصلحة المشروعة في نشرها. وهنا يظهر جوهر التوازن: حماية الصحافي الذي يعمل على أساس مهني، وعدم توفير مظلة قانونية لمن يختلق اتهاماً ثم يقدمه للجمهور كحقيقة.
أما السويد، صاحبة واحد من أقدم الأنظمة الدستورية لحماية حرية الصحافة، فتحافظ بدورها على المسؤولية الجنائية في “التشهير الجسيم”. ويمكن أن تصل العقوبة إلى سنتين سجناً، مع النظر في طبيعة الاتهام، وطريقة نشره، واتساع انتشاره، وقدرته على التسبب بضرر خطير. وفي المقابل، يحتفظ الناشر بحماية مهمة عندما يكون النشر مبرراً وتكون المعلومة صحيحة أو تكون لديه أسباب معقولة للاعتقاد بصحتها. وبذلك لا يعامل القانون التحقيق الصحافي المبني على معلومات ومصادر كمعاملة الادعاء المختلق.
وتقدم أستراليا مثالاً أكثر وضوحاً على هذا الفصل. ففي ولاية New South Wales، تنص المادة 529 من قانون الجرائم على جريمة “التشهير الجنائي”، وتصل عقوبتها إلى 3 سنوات سجناً. إلا أن مجرد الخطأ لا يكفي. يجب أن يكون الناشر عالماً بأن المادة التشهيرية كاذبة، وأن يكون قاصداً إحداث ضرر جسيم أو متهوراً تجاه احتمال وقوع هذا الضرر. هنا تصبح عناصر الجريمة واضحة: كذب، وعلم بالكذب، وقصد أو تهور تجاه الضرر. وهذه شروط تختلف جذرياً عن ملاحقة صحافي لمجرد أن معلوماته أغضبت شخصاً أو سلطة.
حتى فرنسا، حيث التشهير العادي بحق الأفراد يُعاقب أساساً بالغرامة، لم تذهب إلى اعتبار أن كل ما ينشر تحت عنوان حرية التعبير أصبح خارج نطاق العقوبة السالبة للحرية. فبعض صور التشهير القائم على الأصل أو العرق أو الدين أو الجنس أو التوجه الجنسي أو الإعاقة يمكن أن تصل عقوبتها إلى سنة سجناً، فيما تصل العقوبات إلى مستويات أعلى في بعض جرائم التحريض على العنف أو ارتكاب الجرائم. المبدأ هنا أيضاً واضح: حرية التعبير أصل، لكنها لا تزيل المسؤولية عندما يتحول التعبير إلى فعل يعتبره القانون خطيراً على الآخرين أو المجتمع.
وفي بريطانيا، أُلغي التشهير الجنائي التقليدي، إلا أن الصحافي ليس محصناً من السجن إذا تجاوز العمل الإعلامي إلى جرائم أخرى، مثل ازدراء المحكمة أو خرق أوامر قضائية أو إفشاء أنواع محددة من الأسرار الرسمية. والأمر نفسه في الولايات المتحدة، حيث توفر التعديلات الدستورية حماية استثنائية للصحافة، لكن هذه الحماية لا تمتد إلى التجسس أو بعض صور إفشاء معلومات الدفاع الوطني أو عصيان أوامر قضائية نافذة. ففي الديمقراطيات الأكثر تشدداً في حماية حرية التعبير، لا توجد قاعدة تقول إن بطاقة الصحافة تجعل حاملها بمنأى عن القانون الجنائي.
هذه المقارنة لا تعني أن النموذج اللبناني يجب أن ينسخ قوانين الخارج، ولا أن كل نص يجيز السجن يصبح بالضرورة نصاً سليماً. العبرة في الشروط والضمانات ودقة التعريف. فهناك فارق جوهري بين صحافي ينشر تحقيقاً مبنياً على مصادر ووثائق ثم يتبين أن جزءاً من معلوماته غير دقيق، وبين وسيلة تعلم أن اتهاماً ما كاذب ثم تتعمد نشره للإضرار بشخص. كما أن هناك فارقاً بين نقد سياسي قاسٍ ومشروع، وبين اختلاق جريمة ونسبها إلى شخص من دون أي أساس.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي حول المادة 104 لا ينبغي أن يكون حول كلمة “السجن” وحدها، بل حول ما يجب على القضاء إثباته قبل الوصول إليه. هل يجب إثبات التعمد؟ هل يجب إثبات العلم بالكذب؟ ما معيار الضرر؟ وكيف يُحمى الصحافي الذي تصرف بحسن نية واستند إلى مصادر جدية وخدم مصلحة عامة؟ كلما كانت هذه العناصر محددة بدقة، اقترب القانون من حماية الحرية والمسؤولية معاً، وكلما كانت فضفاضة، ازداد خطر استخدامها كسلاح ضد الصحافة.
فالصحافي ليس فوق القانون، تماماً كما أن المسؤول ليس فوق المساءلة. بطاقة الصحافة لا يمكن أن تكون رخصة لاتهام إنسان بالسرقة أو الخيانة أو ارتكاب جريمة مع العلم بأن الاتهام مختلق، كما لا يجوز للقانون أن يتحول إلى أداة لإسكات تحقيق صحيح لأنه أزعج صاحب نفوذ. وفي الحالتين، المطلوب واحد: قواعد واضحة تمنع قمع الصحافة كما تمنع تحويل الصحافة إلى وسيلة لقمع الآخرين.
سمعة الإنسان ليست ملكاً مباحاً لأي وسيلة إعلامية، كما أن حق الصحافي في البحث والنقد والكشف ليس منّة من أحد. الديمقراطيات التي تحمي الصحافة بقوة هي نفسها التي تضع حدوداً عندما يتحول النشر إلى كذب متعمد أو تشهير جسيم أو تحريض أو فعل جرمي مستقل. كندا قد تصل إلى 5 سنوات في حالة التشهير المعروف كذبه، وأستراليا إلى 3 سنوات عندما يقترن العلم بالكذب بقصد الضرر الجسيم، والدنمارك إلى سنتين في حالات التشهير المشدد، والسويد إلى سنتين في التشهير الجسيم. أي أن وجود السجن ليس، بذاته، المعيار الذي يفصل الديمقراطية عن القمع؛ المعيار الحقيقي هو لماذا يُسجن الصحافي، وبأي شروط، وتحت أي ضمانات.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع في لبنان. الحرية الصحافية ليست امتيازاً بلا مسؤولية، والمسؤولية ليست ذريعة لإخضاع الصحافة. القانون المتوازن هو الذي يحمي الصحافي عندما يكشف حقيقة صعبة حتى لو أغضبت السلطة، ويحمي المواطن عندما يصبح ضحية كذبة اختُلقت عمداً لتدمير سمعته. عند هذه النقطة فقط تستقيم المعادلة: لا سلطة فوق الصحافة، ولا صحافة فوق القانون، ولا حرية تُستخدم باباً مفتوحاً للتشهير.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|