العقوبات الأميركية على “الحزب” تجفيف لمنابع تمويله
ليست العقوبات الأميركية الجديدة على حزب الله مجرد حلقة أخرى في سلسلة عقوبات طالت شخصيات وشبكات مرتبطة بالحزب، بل تحمل رسالة أوضح وأشد: واشنطن تنتقل من ملاحقة الأفراد إلى تجفيف منابع التمويل وضرب البنية التي تسمح للحزب بالحصول على الأموال ونقلها وإخفاء مسارها.
ففي العشرين من آب، أعلنت الولايات المتحدة عقوبات جديدة طاولت عشرة أشخاص، بينهم رجل أعمال تركي، واتهمتهم بإدارة شبكة لتهريب الأموال لصالح حزب الله. وبحسب الخزانة الأميركية، كانت الشبكة تنقل مئات الملايين من الدولارات عبر شحنات نقدية ورحلات جوية تجتاز عدة دول، لتوفر للحزب مساراً خارج النظام المالي الرسمي.
وهنا تكمن أهمية الخطوة: العقوبات لم تعد تستهدف شخصاً بعينه، بل تستهدف شبكات الوصول إلى المال، والوسطاء، وشركات الصرافة، والشركات الوهمية، وكل من يلعب دوراً في تحويل المال من منبعه إلى خزائن الحزب. والأخطر بالنسبة إلى حزب الله أن واشنطن أعادت أيضاً تأكيد توصيفه بوصفه جماعة تعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية وبصلة وثيقة مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
ومع ذلك، يبدو أنّ حزب الله ما زال يصر على لعبة الإنكار والمكابرة. فالحزب الذي يتراجع ميدانياً ويواجه ضغوطاً متصاعدة وتضييقاً مالياً وسياسياً، ما زال يحاول تقديم نفسه بصورة القوة التي لا تتأثر، وكأنّ لغة الواقع لا تعنيه.
لكن المشكلة أنّ كلفة هذا الإنكار لم تعد تقع على الحزب وحده. لبنان كله يدفع الثمن.
فمن أخطار حزب الله على لبنان أنه لم يعد يتصرف كقوة سياسية تتحرك ضمن حدود الدولة ومصالحها، بل كقوة تربط جزءاً من قرارها بمعادلات إقليمية أوسع من حدود لبنان. وكلما تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وجد لبنان نفسه أكثر عرضة لدفع ثمن معركة لم يخترها بمفرده.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: حزب الله يقول إنه يحمي لبنان، بينما تُظهر تجارب السنوات الأخيرة أنّ لبنان يدفع كلفة باهظة كلما قرر الحزب أن يخوض مواجهة بمنطقه الخاص. وبدلاً من أن يكون السلاح وسيلة لتقوية الدولة، أصبح عنصراً في إضعاف سيادتها وتقييد قرارها وتعريض مجتمعها للمزيد من الأعباء.
وتأتي تلة علي الطاهر لتكشف جوهر المشكلة. فالحزب يرفض التخلي عن هذا الموقع الاستراتيجي، ويتعامل معه كجزء من مواقع “المقاومة”، فيما ترتبط المنطقة بتوتر ميداني متصاعد وبخطر عملية إسرائيلية أوسع.
والسؤال هنا ليس فقط: هل يستطيع حزب الله الحفاظ على تلة علي الطاهر؟ بل: هل يستطيع لبنان تحمل تحول كل موقع يمسك به الحزب إلى ذريعة للتصعيد وإلى هدف عسكري يدفع المدنيون ثمنه؟
إنّ المشكلة الأعمق ليست في عقوبة أميركية هنا أو هناك. المشكلة أنّ حزب الله يواجه مرحلة غير مسبوقة من ضغط متراكم: ضغط على التمويل، وضغط على شبكاته الخارجية، وضغط ميداني، وضغط سياسي داخلي يتجه نحو تكريس حصر السلاح بالدولة.
والأخطر أنّ الحزب قد يختار، بدلاً من مراجعة حساباته، سياسة “الهروب إلى الأمام”. وهي سياسة قد تبدو لقيادته مخرجاً من أزمة متراكمة، لكنها بالنسبة إلى لبنان قد تكون مغامرة بما تبقى من استقراره. فالتصعيد لفك الخناق قد يؤدي إلى خناق أشد، والمواجهة لإثبات القوة قد تنتهي بخسارة أكبر.
ومن هنا، فإنّ تجفيف منابع التمويل ليس تفصيلاً تقنياً في سياسة العقوبات الأميركية، بل هو جزء من معركة لإضعاف قدرة الحزب على الحركة والتسلح والتمدد. وكلما ضاقت القنوات المالية، أصبحت قدرته على تحمل الأعباء وتمويل شبكاته أصعب.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون بصراحة هو: إلى متى سيبقى لبنان يدفع ثمن سياسة لم يكن قرارها وطنياً خالصاً؟
لقد تلاحقت خسائر حزب الله، ولم تعد مسألة الإنكار قادرة على تغيير الواقع. فالقوة ليست في رفض الاعتراف بالخسارة، ولا في تكرار شعارات الانتصار، بل في امتلاك الشجاعة لمراجعة الخيارات حين تثبت كلفتها.
ولبنان لا يحتمل مزيداً من المكابرة. فهو ليس ساحة مفتوحة لحسابات إيران، ولا ورقة في صراع المحاور، ولا ميداناً لإثبات أنّ حزباً أو قوة يمكنها فرض منطقها على الدولة.
إنّ أكبر خسارة سيكون من الخطأ اعتبارها خسارة حزب فقط. فإذا أصر حزب الله على الإنكار والمكابرة والهروب إلى الأمام، فإنّ الخسارة ستتجاوزه لتطال لبنان ودولته واقتصاده وأمنه ومستقبل أجياله.
ولعل أخطر ما يحدث اليوم أنّ من يدفع لبنان نحو حافة الهاوية ما زال يتصرف كأنه وحده يملك حق تحديد الطريق. والحقيقة أنّ لبنان لم يعد يحتمل هذا الترف السياسي ولا هذا الإصرار على إعادة التجارب نفسها، ثم طلب من اللبنانيين دفع الفاتورة.
فإذا كانت العقوبات الأميركية تستهدف تجفيف منابع تمويل حزب الله، فإنّ المصلحة اللبنانية تقتضي أن يكون هناك أيضاً تجفيف لمنبع آخر: منبع المغامرات التي تجعل من لبنان ساحة لحروب الآخرين.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية: هل يختار حزب الله أن يكون جزءاً من دولة لبنانية قوية تحتكر قرار الحرب والسلم، أم يستمر في مقاومة الدولة وإغراقها معه في أزماته؟
إنّ الوقت لم يعد للمكابرة. فالخناق يضيق، والكلفة ترتفع، ولبنان لم يعد قادراً على دفع ثمن إنكار الواقع.
جان الفغالي -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|