مغادرة "اليونيفيل" وعتادها مركز الخردلي... هل تندرج في إطار روتينيّ أو اعتياديّ؟
حين يصبح الاستنساب نهجاً… ماذا يفعل القاضي محمد شرف؟
تُنسب إلى أحد القضاة البارزين في لبنان عبارة تختصر جوهر العمل القضائي: “شطارة القاضي ليست في التوقيف، شطارة القاضي في إخلاء السبيل”. فالتوقيف ليس إنجازاً بحد ذاته، والقاضي لا تُقاس هيبته بعدد الموقوفين، بل بقدرته على حماية التحقيق من جهة والحرية من جهة أخرى، وبجرأته على اتخاذ القرار الأصعب عندما لا تعود هناك ضرورة قانونية لسلب الحرية.
من هنا، يثير ما يجري أمام القاضي المنفرد الجزائي في جونية محمد شرف أسئلة جدية. فالرفض المتكرر لطلبات وقف تنفيذ مذكرات التوقيف لم يعد يبدو مجرد ممارسة لسلطة استنسابية، بل بات يوحي بنهج ثابت تصبح معه نتيجة الطلب شبه محسومة سلفاً.
صحيح أن القانون أعطى القاضي حق القبول أو الرفض، لكن هذه الصلاحية تفرض مسؤولية أكبر عندما يكون القرار غير قابل للاستئناف. فالمتقاضي الذي يُرفض طلبه لا يملك مرجعاً أعلى لمراجعة هذا التقدير، ما يجعل القاضي أمام مسؤولية مضاعفة في درس كل ملف بعناية وتقدير ضرورة التوقيف فيه بصورة مستقلة.
والتوقيف ليس عقوبة مسبقة ولا شرطاً للمثول أمام المحكمة. له غايات محددة مرتبطة بمنع الفرار أو العبث بالأدلة أو التأثير على الشهود أو تكرار الجريمة أو تعطيل سير العدالة. فإذا لم تكن هذه المخاطر متوافرة بصورة جدية، يصبح الإصرار على التوقيف بحاجة إلى تفسير مقنع.
الأخطر أن يتحول رفض وقف التنفيذ إلى حاجز يمنع المدعى عليه من الوصول إلى قاضيه والدفاع عن نفسه. فكيف تسعى المحكمة إلى سماع المتقاضي والوصول إلى الحقيقة، ثم تضع أمامه معادلة يكون فيها التوقيف ثمناً مسبقاً للحضور؟
وهنا لا تقف المسؤولية عند القاضي محمد شرف وحده. فمجلس القضاء الأعلى يتحمل مسؤولية أساسية عند وضع التشكيلات القضائية واختيار القضاة للمراكز التي تمس مباشرة حريات الناس ومصائرهم. التشكيلات ليست عملية توزيع أسماء على مراكز، بل مسؤولية في وضع القاضي المناسب في المكان المناسب. ولا يجوز أن يصبح مصير مواطن وحريته وحقه في الدفاع رهينة قاضٍ يتعامل مع التوقيف باعتباره القرار الأسهل، أو يتردد في تحمل مسؤولية القرار الذي يحمي الحرية عندما تسمح الوقائع والقانون بذلك.
المطلوب من القاضي محمد شرف ليس قبول جميع الطلبات، بل ألا تتحول صلاحية الرفض إلى قاعدة ثابتة. كما أن المطلوب من مجلس القضاء الأعلى أن يدرك أن حسن اختيار القاضي جزء من العدالة نفسها، لأن خطأ الاختيار لا يبقى داخل أروقة العدلية، بل يدفع ثمنه أشخاص من حريتهم وحياتهم وسمعتهم.
وهنا تعود العبارة إلى مكانها: شطارة القاضي ليست في أن يوقّف، بل في أن يعرف متى يجب ألا يوقّف.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|