الصحافة

مَن نصَبَ فخاً لأهالي الضحايا وَقَعَ فيه ... والأمور كادت تخرج عن السيطرة

Please Try Again

ads




ليست «رمّانة» ولا «قلوب مليانة» التي انفجرت شعبياً وقضائياً بتوقيفٍ وُصف بـ «الفخ» للناشط وليم نون، شقيق جو نون أحد ضحايا «بيروتشيما»، وبدا أنه مدجّج بـ «الكمائن» على أكثر من جبهة، أمنية وعسكرية ورئاسية شكّلت واقعياً «مسرحَ العمليات» لحَدَثٍ انطلقت شرارتُه «التقنية» من عناوين ترتبط بالتحقيق المعلَّق في تفجير مرفأ بيروت ومحاولاتِ «تفتيته»، وسرعان ما تطايرت تشظياتها ميدانياً وسياسياً قبل أسبوعٍ من وصول وفد قضائي فرنسي لمعاينة تطورات هذا الملف في ضوء سقوط ضحايا فرنسيين في «محرقة» 4 أغسطس 2020.

فما شهده لبنان في الساعات الماضية في الشارع الذي انتفض تضامناً مع نون وجريمة المرفأ، التي سقط فيها 237 ضحية وأكثر من 6500 جريح ودمّرت نصف العاصمة، بدا نتاج «حروب» قضائية - سياسية أخذت التحقيقَ في الانفجار الهيروشيمي رهينةً وتركت الأهالي الذين لم يهدأوا منذ نحو 30 شهراً بـ «لا شيء يخسرونه» وهم يرفعون الصوت مجدداً رفْضاً لتكرار محاولة «بتْر أيدي» المحقق العدلي القاضي طارق بيطار بواحد من أمرين:

الأول تكبيل مهمته بانتظار «قبْعه» نهائياً، وهو ما مهّدت له عشرات دعاوى الردّ بحقه من مدعى عليهم وفي مقدّمهم 4 وزراء سابقين (والرئيس السابق حسان دياب)، الأمر الذي جمّد عمله منذ نحو 15 شهراً في ضوء «استرهان» وزير المال مرسوم تعيين قضاة محاكم تمييز أصيلين بحيث يكتمل نصاب الهيئة العامة لمحكمة التمييز ويصار إلى البت بهذه الطلبات.

والثاني تشكيل «دفرسوار» لإقصاء بيطار عبر تكليف قاضٍ رديف بت ملفات الموقوفين في القضية (وهو ما يؤيده التيار الوطني الحر) ودفوعٍ شكلية تَقَدَّم بها المدعى عليهم من سياسيين خصوصاً بعدم اختصاص بيطار ملاحقة رؤساء ووزراء.

وبدا أهالي الضحايا الرابحين الأكبر من هذه «المواجهة» التي بدأتْ على خلفية ما رافَقَ تحركاً لهؤلاء قبل أيام أمام قصر عدل بيروت من تكسير زجاج ثم تهديد نون بـ «تفجير العدلية بالديناميت» بحال تم تعيين قاضٍ رديف وردّه على التلويح بإحضاره أمام النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي زاهر حماده بـ «يروح يبلّط البحر»، هم الذين «أحيوا روح» التضامن مع قضيةٍ بات نون الذي أوقف الجمعة وأُطلق أمس رمزاً لها، ومثله بيتر بو صعب شقيق الضحية جو بو صعب الذي انطلقت أيضاً عملية جلْبه أمام جهاز «أمن الدولة».

وفيما عبّرتْ عن استمرارِ الاحتضان الشعبي العاطفي والأخلاقي لمسارِ إحقاق العدالة في واحد من أقوى 3 انفجارات غير نووية عرفها الكوكب، التحركاتُ الاحتجاجيةُ في الشارع التي وصلتْ النهارَ بالليل بدءاً من الجمعة وتمركزتْ في محيط مقرّ «أمن الدولة» في الرملة البيضاء وفي جبيل مسقط نون الذي باتَ معه حتى الفجر في مكان توقيفه عدد من نواب التغيير وزملاء لهم من المعارضة (القوات اللبنانية والكتائب والمرشح للرئاسة ميشال معوض)، فإن لائحة الخاسرين بدت طويلة في ضوء المسار الذي اتخذتْه هذه القضية:

• فثمة مَن رأى أن القضاء عمّق من «جراحه» بتعاطٍ مع هذه القضية اعتُبر من المعارضة امتداداً لممارساتٍ من حقبة النظام الأمني اللبناني – السوري حيث أكد نائب «القوات» غسان حاصباني أنّ «ما نراه اليوم هو تلاميذ الأنظمة القمعية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة وهذا لا يُركّع الشعب اللبناني ومعركتنا هي بنظافة القضاء»، فيما أعلن النائب المحامي ملحم خلف «أن جهازين أمنيين فتحا تحقيقاً في قضية نون في ذات الوقت وهذه سابقة»، معتبراً أنّ«ميزان العدالة معطّل بشكل غير مقبول ونحن أمام دولة بوليسية بلا مرجعية».

وأشار نواب ووكلاء دفاع عن نون إلى«فخ قضائي»نُصب له عبر استدراجه لشرب«فنجان قهوة»(الجمعة) عند«أمن الدولة»وذلك غداة بلاغ بحث وتحرٍّ بقي طي الكتمان صدر بحقه (في قضية تكسير زجاج قصر العدل)، و«أخرج من الجارور»بعد احتجازه لدى هذا الجهاز في ملف التهديد«بتفجير العدلية»وتحقير القضاء، بالتوازي مع دهم منزله في جبيل بحثاً عن«الديناميت»وطلبِ«مثول»هاتفه الخلوي للتأكد من عدم وجود محاولات لشراء هذه المادة.

ورغم خضوع نون للتحقيق صباح أمس من الشرطة القضائية بناءً لطلب من«أمن الدولة»عبر برقية أرسلت إلى المديرية العامة لـ«قوى الأمن الداخلي»ثم صدور إشارة قضائية من القاضي زاهر حماده بترْكه بسند إقامة بقضية تكسير زجاج قصر العدل التي سيصار لسماعه فيها أمام«الشرطة القضائية»مع عدد آخر من أهالي الضحايا غداً الاثنين، عاد وأبقى على توقيفه بالقضية الثانية مع ربْط الإفراج عنه بحضور بيتر بو صعب الذي لم تتمكن الأجهزة الأمنية من تبليغه بضرورة الحضور.

وفي حين صدرتْ مطالبات عدة لمدعي عام التمييز للتصرّف«وكسْر إشارة حماده»، فإن الأخير لم يتدخل كونه سبق أن تنحى عن قضية تفجير المرفأ. وبعد ظهر أمس، ومع تَحوّل القضية«كرة ثلج»تتدحرج في أكثر من اتجاه لاحت في الأفق محاولات لترتيب مخرج يحول دون انفجار غضبة في الشارع المحتقن والذي كان يلوّح بتصعيد كبير، عبر صدور بيان تضامن عن مجلس القضاء الأعلى مع حماده يليه ترْك نون بسند إقامة وهو ما حصل بعد أخذ وردّ طويل داخل المجلس عَكَسَ التجاذبات الكبيرة في الجسم القضائي.

وأقوى تعبير عن هذا التجاذب عبّر عنه بيان رئيس«القضاء الأعلى»القاضي سهيل عبود الذي أوضح«أن أي بيانٍ لم يصدر عن المجلس وفق الأصول القانونية المعتمدة، وإنما تمّ التداول في شأن إصدار بيانٍ متعلّق بما آلت إليه الأمور في المرحلة الأخيرة، ولم يُصَر إلى التوافق على مضمونه، الذي كان ما زال قيد المناقشة. وإن ما وصل إلى وسائل الإعلام هو مشروع بيان لم يحظَ بالموافقة المفترضة لإصداره، فاقتضى التوضيح».

وكانت محطة lbci ذكرت أنّ القاضي عبود غير موافق على بيان المجلس الذي استنكر واستغرب«التّهجّم على عمل القضاة، ورافضاً التّطاول على القضاء وكرامته»، موضحة أنّ سبب موقف رئيس القضاء الأعلى مرده إلى أن البيان«لم يصدر وفقاً للأصول، ولم يَلحظ موضوع انفجار مرفأ بيروت بشموليّته، بما فيه وقف التّدخّلات في تحقيقات المرفأ من أيّ جهة أتت».

• وفي لائحة مَن تَشَظّوا جراء قضية نون، صورةُ الجيش اللبناني الذي انزلق إلى مواجهةٍ عنفية مع عدد من الأهالي والمحتجين في منطقة جبيل خلال محاولة قطْع الطريق ليل الجمعة – السبت حيث جرى استخدام العنف المفرط الذي لم يوفر أحد رجال الدين المسيحيين (خال نون) الذي أصيب بضربة في رأسه، ما استدعى ردود فعل مستنكرة دخلت على خطها الكنيسة المارونية التي تواصل رأسها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أمس مع أهل وليم وأوفدت أيضاً مطران بيروت بولس عبدالساتر الى مقر أمن الدولة حيث التقى نون وأكد التضامن مع الأهالي والحقيقة والعدالة في قضية المرفأ التي حضرت صارخةً في عيون والدة نون التي بقيت مع ابنها طوال ليل التحقيق الطويل شاكرة المتضامنين وموجّهة نداء«ما تتركونا، دفنت ابني وابني الثاني معتقل».

وفيما لم تُسْقط أوساط سياسية تَشابُك هذه القضية في خلفياتها المباشرة أو«استثماراتها»اللاحقة مع حساباتِ الانتخابات الرئاسية ومحاولات«حرْق أصابع»مرشّحين بارزين في السباق الرئاسي وبينها قائد الجيش العماد جوزف عون، فإن الأكيدَ في ضوء الخلاصات الأولية لِما حصل في اليومين الماضيين أن قضية تفجير مرفأ بيروت ما زالت عصية على الكسْر وكذلك شوكة الأهالي الذين عاودوا وبتضامن الكتف لكتف مع نواب المعارضة رسْم خط أحمر أمام هذا الملف، سيخضع لاختبار جديد الاثنين، ووَجد نواب آخرون من الموالاة أنفسهم مضطرّين لـ«الالتحاق»به.

وليم نون حراً... أول الكلام

وإذ امتدّ«الاحتفال بحرية»نون بين بيروت وجبيل، تعمّد وليم أن تكون أول إطلالة له بعد إطلاقه من مقر فوج إطفاء بيروت الذي سقط 10 من عناصره، وبينهم شقيقه، خلال محاولة إخماد النيران في عنبر الموت الذي كان يحوي مئات أطنان نيترات الأمونيوم قبل أن تنفجر ويحلّ الدمار الشامل.

وحرص نون على توضيح أنّ«التوقيف كان بإشارة من القضاء، والتعامل معي كان محترماً»، مؤكداً«نحن مستمرّون بقضية 4 أغسطس، ومن حقّنا التعبير طالما التحقيق معطّل وهذه القضية لن تموت، وأحياناً نخطئ في التعبير، وسنشاغب عند الضرورة».

وأضاف:«أشكر كلّ من وقف إلى جانبنا وأشكر اللواء طوني صليبا (مدير أمن الدولة)، وعلى القضاء أن يقوم بواجبه، وسنذهب إلى التحقيق الاثنين»، تاركاً للمحامين الحديث عن الجانب القانوني من الملف.

وشكر كل مَن تضامنوا معه من رجال دين مسيحيين ومسلمين ونواب ومواطنين«فلولاهم لَما كنتُ خرجتُ»، مشدداً على«أن قضيتنا ليست سياسية وملفنا هو مرفأ بيروت ونريد الحقيقة في مَن قتل أهلنا».

ومن المكان نفسه، اعتبر رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل النائب سامي الجميّل«أن هذه قضيتنا وأعتبر ما حصل اليوم انتصاراً صغيراً في معركة كبيرة وطويلة والأساس هو أن نأخذ حقّنا». ads




Please Try Again