بولا يعقوبيان : تغيير الوزراء والأحزاب لم يؤدِّ إلى تغيير في النتائج في الكهرباء!
باب المندب والقدر: عندما تصبح الممرات المائية شرايين الوجود
لم يعد العالم كيانات متباعدة.أصبح كياناً واحداً متداخلاً، تتنفس شرايينه عبر المحيطات والبحار والمضائق. وضربة مسيّرة بكلفة 10 آلاف دولار في باب المندب قادرة اليوم على رفع سعر الخبز في القاهرة، وزيادة أقساط التأمين في لندن، وتأخير وصول رقاقة إلكترونية إلى طوكيو.
نحن نعيش لحظة وجودية فارقة:
صراع لا تديره دول عظمى فقط، بل دولتان ثيوقراطيتان تحت غطاء الدين: إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
والاثنتان تأخذان العالم إلى ما لا تُحمد عقباه، وتجعلان من البحر الأحمر وميليشياته ساحة لتجريب انهيار النظام العالمي القديم.
فهل اقتراب الحوثيين من باب المندب صدفة؟ أم أنه «المختبر الحي» الذي يثبت أن الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الردع ستجبر البشرية على إعادة كتابة قواعد الأمن من الصفر؟
باب المندب… من ممر ملاحي إلى ورقة استراتيجية
شهدت الساعات الأخيرة تطورات نوعية حول مضيق باب المندب، فيما بدا أن الولايات المتحدة لم تحسم موقفها، بينما قررت السعودية التحرك بصورة مستقلة.
إيران دفعت بالمجموعات الموالية لها إلى محيط المضيق، واقتربت هذه المجموعات من جزر حيوية، لتضع الممر الملاحي أمام تحديات مصيرية.
وتُعدّ السيطرة على جزيرتي ذو باب وميون تمهيداً محتملاً للتحكم بالمضيق، وهو ما سعت إليه المجموعات الموالية لإيران، في مسار يجعل من باب المندب أكثر من مجرد نقطة عبور تجارية، بل ورقة استراتيجية في الصراع الإقليمي.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطلق إشارة شديدة الدلالة حين تحدث عن المجموعات الموالية لإيران في اليمن، معلناً أنها تواصلت معه وأنها لا تريد مواجهة الولايات المتحدة.
هذه الإشارة توحي، سياسياً، بإمكان وجود قنوات تنسيق أو تواصل بين إدارة ترامب وتلك المجموعات، بما يمنحها، ولو بصورة غير مباشرة، وزناً سياسياً يتجاوز طبيعتها العسكرية.
والواضح أن ترامب يريد، في المرحلة الراهنة، الوصول إلى أقصى درجات التهدئة مع إيران ووكلائها، خصوصاً قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
لحظة وجودية
1. معضلة «الردع غير المتناظر»: انهيار معادلة القوة
لم تعد الميليشيا بحاجة إلى أسطول بحري كي تؤثر في حركة التجارة العالمية، ولا إلى سلاح جو كي تفرض أكلافاً على الأسواق الدولية.
المفارقة قاتلة:
طائرة مسيّرة حوثية ببضعة آلاف من الدولارات، تواجهها صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات.
والنتيجة أن الطرف الأضعف عسكرياً صار يملك، بصورة غير مباشرة، «حق فيتو» على التجارة العالمية.
المؤسسات التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية صُممت لردع الدول. لكن ماذا تفعل مع جهة لا أصول لها تُجمّد، ولا شرعية دولية تخشى خسارتها؟
هنا تولد بيئة الإفلات من العقاب، ويدفع العالم الثمن.
2. باب المندب: شريان العولمة الذي صار سلاحاً
لم يعد الصراع على الأرض فقط، بل انتقل إلى الممرات المائية: باب المندب، هرمز، قناة السويس، وتايوان، لأنها تمثل شرايين «الوحدة الكيانية» للعالم.
تهديد باب المندب يعني:
أولاً، شلل قناة السويس: مصر تخسر جزءاً كبيراً من إيراداتها، فيما تتباطأ حركة الموانئ في العقبة والسودان.
ثانياً، الهروب إلى رأس الرجاء الصالح: وهو ما يضيف نحو 14 يوماً إلى بعض الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود والانبعاثات بصورة كبيرة.
ثالثاً، انفجار كلفة الشحن والتأمين: إذ تحولت علاوة «مخاطر الحرب» إلى مقامرة مالية تجعل البحر الأحمر أكثر كلفة وأقل جاذبية.
رابعاً، تضخم عالمي مرتد: فتأخر الرقائق والسيارات والسلع الأساسية ينعكس في النهاية على الأسعار التي يدفعها المستهلك في كل بيت.
3. الذكاء الاصطناعي: من التوليفي إلى التوليدي… حرب بلا جنود
الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الذاتية منح الميليشيات أدوات لم تكن تحلم بها.
أسراب مسيّرات ذكية، وأنظمة سيبرانية قادرة على تتبع السفن اعتماداً على البيانات المفتوحة، واستهدافها بدقة متزايدة.
النظام العسكري الذي كان حكراً على القوى الكبرى أصبح متاحاً بدرجات مختلفة لمن يملك التكنولوجيا، وطابعة ثلاثية الأبعاد، وشريحة إلكترونية.
وهكذا لم تعد القوة مرتبطة فقط بحجم الجيش أو الأسطول أو سلاح الجو، بل بالقدرة على توظيف التكنولوجيا بأقل كلفة ممكنة.
4. المفارقة السياسية: وحدة الأضداد الخفية
هنا يكمن جوهر المأساة الوجودية.
إيران تستخدم أذرعها كـ«مصدات صدمات» وكأوراق مساومة لتحسين شروط بقائها ونفوذها.
وفي المقابل، تجد إسرائيل المتطرفة في استمرار التهديد «شماعة وجودية» لبقائها السياسي، خصوصاً في مراحل الاستحقاقات الانتخابية والسياسية.
والضحية؟ الدول العربية.
فهي محاصرة بين مغامرات الملالي من جهة، والتوظيف السياسي الإسرائيلي للتهديد من جهة أخرى.
سبحان من جمع الأضداد في وحدة خفية، وصراع يبدو في ظاهره متناقضاً، لكنه يلتقي في جعل المنطقة مسرحاً دائماً للحروب والأزمات.
5. الخيارات الجديدة: هل ينهي الليزر معادلة الكلفة؟
أدرك العالم أن استنزاف صواريخ تبلغ كلفة الواحد منها ملايين الدولارات لإسقاط مسيّرة لا تتجاوز قيمتها آلاف الدولارات، معادلة غير قابلة للاستمرار.
لذلك بدأ السباق نحو:
- أسلحة الطاقة الموجهة – الليزر: حيث يمكن أن تكون «الطلقة» أقل كلفة بكثير من الصاروخ التقليدي.
- الموجات الدقيقة HPM: القادرة على تعطيل أو حرق أسراب من المسيّرات دفعة واحدة.
- صواريخ اعتراضية مصغرة: لتوفير بديل أقل كلفة من منظومات الاعتراض التقليدية.
- الذكاء الاصطناعي الدفاعي: لاتخاذ قرار الإطلاق خلال أجزاء من الثانية، وبأعلى قدر ممكن من الكفاءة.
6. الجغرافيا البديلة: الهروب من الاختناق
في موازاة السباق العسكري، بدأت المنطقة في إعادة هندسة طرق التجارة لتقليل الارتهان للممرات البحرية المهددة.
الممر الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC): مسار بحري إلى الخليج، ثم سكك حديدية عبر السعودية والأردن، وصولاً إلى أوروبا.
طريق التنمية العراقي: من الفاو إلى تركيا، بطول يقارب 1200 كيلومتر، لتجاوز باب المندب كلياً، وبكلفة تقديرية تبلغ نحو 17 مليار دولار.
الجسر البري السعودي: الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر عبر الأراضي السعودية خلال ساعات.
موانئ نيوم وجازان: بما يسمح بنقل بعض مراكز التوزيع والتجارة بعيداً عن مدى التهديدات في جنوب البحر الأحمر.
وهكذا لا تقتصر الحرب على الصواريخ والمسيّرات، بل تمتد إلى إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية نفسها.
7. القرن الإفريقي: الخاصرة الجنوبية المشتعلة
تحولت جيبوتي إلى مختبر عسكري عالمي، يضم قواعد لقوى كبرى بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا.
وفي المقابل، تسعى إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري عبر «أرض الصومال»، بما يفتح جبهة جيوسياسية جديدة.
كما تبني إيران وتركيا نفوذاً على الساحل المقابل لليمن.
والنتيجة أن تهديد الملاحة لم يعد يأتي من اليمن وحده، بل بات مرتبطاً أيضاً بالضفة الإفريقية للبحر الأحمر وبالصراعات المتنامية حول الموانئ والنفوذ البحري.
الخاتمة الوجودية: العالم في غرفة الإنعاش
ما نعيشه ليس مجرد أزمة ملاحة.
إنه اهتزاز لعقد اجتماعي دولي عمره نحو 80 عاماً.
النظام الذي نشأ بعد عام 1945 يواجه اليوم اختباراً جديداً، لأنه لم يُصمم للتعامل مع جماعة مسلحة قادرة، بواسطة مسيّرة زهيدة الكلفة، على تهديد ممر تجاري عالمي.
القوة لم تعد حكراً على الدول.لقد انتشرت.
وفي هذا الفراغ تقف دولتان ثيوقراطيتان:
واحدة تتحدث باسم التوراة وتقصف، وأخرى تتحدث باسم الولاية وتسلّح الميليشيات.
والاثنتان تستخدمان البحر الأحمر وفلسطين واليمن كأوراق في لعبة وجودية كبرى.
والعرب؟
يدفعون الثمن.
اقتصاداتهم تتأخر، موانئهم تخسر، وأمنهم القومي يصبح رهينة لقرار يُتخذ في طهران أو تل أبيب.
السنوات المقبلة قد لا تشهد بالضرورة «قواعد جديدة مكتوبة»، بقدر ما ستشهد فرض واقع جديد بالقوة والتكنولوجيا وإعادة بناء الممرات التجارية.
قد يتحول البحر الأحمر إلى ممر عسكري محروس، فيما تهرب أجزاء متزايدة من التجارة نحو السكك الحديدية والممرات البرية.
والسؤال الوجودي الأخير ليس: من سينتصر؟
السؤال هو:
هل ستنجو شعوبنا من أن تكون هي الوقود في حرب الأديان والممرات؟
العالم كله، شرقه وغربه، ينتظر الجواب في قاع البحر الأحمر.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|