محليات

إخراج 400 مستوعب يومياً من المرفأ دون رقابة

Please Try Again

ads




 

لم يكن اعلان النائب سجيع عطية أن نحو 400 حاوية تخرج من مرفأ بيروت يوميا، عبر ما يسمى "المسار الأخضر"، من دون رقابة وتدقيق في صحة مطابقة محتوياتها للمانيفست المستوردة بموجبها، وأن معظمها لا تُدفع عنها الرسوم الحقيقية لمحتوياتها، إلا استعادة لعشرات التصاريح السياسية والمقالات والتقارير الإعلامية التي تطرقت الى أوضاع المرفأ، ولطالما نعته الكثيرون بـ"مغارة علي بابا".

في دولة يسودها القانون والشفافية، يفترض أن ينزل هذا التصريح كالصاعقة على رؤوس المسؤولين ويستنفر القضاء والقوى الامنية، وجميع المؤسسات الرقابية والقانونية، لاجراء التحقيقات اللازمة، ورمي جميع المسؤولين عن المرفق المعني في السجون. وربما لن ينتظر المسؤولون عن المرفأ اقالتهم، بل يبادرون فورا الى الاستقالة الطوعية، متحملين بوازع من ضمير، المسؤولية المعنوية للخلل والفضيحة. 

ما قاله نائب الامة خطير وعادي في آن. خطير لأنه يأتي في وقت تحتاج المالية العامة الى كل فلس اضافي يدخل خزائنها لتمويل مصاريف الدولة المتزايدة، والاجور التي تضاعفت عشرات المرات بعد انهيار الليرة. وعادي وطبيعي، في بلد لم يتوقف فيه الحديث يوما، أو التسريبات بالسر والعلن، وعلى ألسنة المسؤولين والسياسيين، عن وجود "مافيا" منظمة تتحكم بآليات إخراج البضائع والمستوردات الى الاسواق اللبنانية، من دون تسديد الرسوم الجمركية الحقيقية، وضرائب القيمة المضافة التي تبلغ سنويا مئات ملايين الدولارات، وهو ما يفسر وجود بضائع في الاسواق اللبنانية أرخص من مثيلاتها من نفس النوعية والتصنيع وبلد المنشأ، بما لا يقل عن 20% من سعر الاستهلاك، وهو بالطبع الفارق الحسابي للرسوم غير المدفوعة.

مرفأ بيروت كما جميع مرافق الدولة كالكهرباء و"النفايات" والسدود ومصالح المياه، المنتجة للسيولة - اذا أُحسِنت إدارتها - متروك لأقداره، ولفوضى المسؤوليات، وتشابك الصلاحيات، والتسابق على السلطة فيه، فلا يستطيع أحد تحديد المسؤولية عما يحصل داخله، وهذه إستراتيجية معروفة لدى أرباب الفساد، بمقولة "إزرع الفوضى، تحصد ما تشاء، من دون أن تُطال قانونيا"، وأكبر الامثلة أن أحدا حتى اليوم لم يستطع اكتشاف مَن المسؤول في مرفأ بيروت عن ادخال نيترات الامونيوم القاتلة التي دمرت بيروت، فيما لا تزال معظم التحقيقات أسيرة المراسلات الفوضوية الملتبسة بين المسؤولين.

ليست الفوضى الادارية هي مشكلة المرفأ فحسب، ولا تعدد الاجهزة الرقابية والأمنية فيه وتشابك المسؤوليات، وليست ضياع السلطة الموحدة، وتداخلها بين الامني والمالي والسياسي وحتى الطائفي أحيانا. بل المشكلة تكمن في أن جميع المسؤولين يعلمون ان الناس تعلم، وبالتفصيل المملّ، كيف تتسرب البضائع الى خارج المرفأ، من دون جمرك أو رسوم مالية، وأن الأرباح الناجمة عن عمليات التهريب تموّل أحزابا وجهات سياسية من معظم الأفرقاء. وهذا يحصل منذ إعادة تأهيل المرفأ في بداية التسعينات، وبتواطؤ واتفاق ضمنيين بين المسؤولين فيه وحُماتهم من السياسيين.

مرفأ بيروت يعتبر من أكبر المؤسسات الرافدة للخزينة، وهو بموقعه على المتوسط شريان حيوي للتجارة الإقليمية، ما مكّنه من أن يدرّ ارباحا طائلة على خزينة الدولة، يمكن مضاعفتها عشرات المرات، لو تعاملت الدولة معه ومع بقية المرافىء اللبنانية بجدية وشفافية، وتطوير أحواضه ومعداته، وإدخاله في عصر التكنولوجيا الحديثة أكثر، وهو ما تنصح به المؤسسات الدولية وخصوصا صندوق النقد الدولي.

وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية أكد لـ"النهار" ان ليس لديه معطيات حول اي عمليات تهريب بضائع أو تهرّب ضريبي، وكل ما في حوزته من معلومات مؤكدة تتعلق بايرادات المرفأ التي "كانت عند تسلمي مهامي الوزارية 400 ألف دولار شهريا، وصلت حاليا الى 10 ملايين دولار (فريش) ويتم تحويلها الى الخزينة العامة والحبل على الجرّار"... لافتا الى أنه أجبر كل الشركات التي تتقاضى بالدولار أن تدفع رسوم المرفأ بـ"الفريش" ايضا. وكشف أنه "في الاشهر الاربعة الاخيرة من العام الماضي ارفد مرفأ بيروت الخزينة بـ 43 مليونا و500 ألف دولار (فريش)، وبنحو 111 مليار ليرة لبنانية، فيما أرفد مطار بيروت الخزينة في الفترة عينها بـ 62 مليون دولار فريش".

ما أدلى به النائب عطية لم يتبنّه الوزير حمية، إذ قال: "مثل هذه المعلومات يجب أن يتقدم بها سعادة النائب بإخبار للقضاء وكذلك سؤال الاجهزة الامنية في المرفأ عنها"، واضعا كل "الدعايات السلبية في اطار ضرب سمعة المرفأ...بالنسبة لي المرفأ يعمل وفق الاصول ولدينا الثقة بكل الاجهزة الامنية فيه".

الاسبوع المقبل سيستقبل حمية وفدا هولنديا للبحث في خطة اعمار المرفأ، فالمساحة التي تُستخدم حاليا من المرفأ لا تشكل أكثر من 40% من مساحته، وتاليا يتم البحث في كيفية استثمار الـ 60% من المساحة المتبقية بغية زيادة الايرادات، كاشفا عن توجهه لاطلاق مزايدة الاسبوع المقبل او الذي يليه لبيع كل الحديد الموجود في المرفأ "بعدما انجزنا دفتر الشروط، على أن يخضع لمراقبة هيئة الشراء العام".

وفي حين يؤكد حمية أن الايرادات ارتفعت، يوضح النائب عطية لـ النهار" انها "ارتفعت عن العامين 2020 و2021 لكنها لم تصل الى المعدل الذي كانت عليه في العامين 2018 و2019 حيث وصلت الايرادات الى مليارين و160 مليون دولار، بينما تصل اليوم في احسن الاحوال الى 300 مليون دولار".

وأعلن ان "لجنة الاشغال ستعقد جلسة هذا الاسبوع يحضرها كافة المعنيين والمسؤولين عن مرفأ بيروت من وزراء ومديرين اداريين وأمنيين لمناقشة الموضوع وتحديد المسؤوليات لوضع الأمور في نصابها"... لكنه مع ذلك لا يتردد في تحميل الاجهزة الأمنية والادارية في المرفأ، اضافة الى وزراء الوصاية المسؤولية، علما ان وزير الاشغال برأيه يتحمل المسؤولية بشكل أقل عن بقية الوزراء. وقال: "رفعنا الصوت لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء تراجع الايرادات، والحديث يطول في هذا الموضوع، على أمل أن نجد الاجوبة الشافية في اجتماع لجنة الاشغال هذا الاسبوع".

أسئلة كثيرة يطرحها عطية حول عمليات المراقبة في المرفأ الذي يدخل اليه ما بين 400 الى 500 مستوعب يوميا، فيما "السكانر" لا يمكنها مراقبة أكثر من 20 أو 30 مستوعبا، فكيف تتم مراقبة بقية المستوعبات؟ وهل يكفي نحو 50 أو 60 موظفا "كشافا" للكشف على المستوعبات؟

وإذ شدد على ضرورة وجود سكانر حديث يُخضع المستوعبات كافة للمراقبة، لا أن يتم تصنيفها بين "مسار أخضر"، و"مسار أصفر" و"مسار أحمر"، أوضح عطية أن عمليات التهريب وعدم دفع الرسوم الجمركية بقيمتها الحقيقية تتم عبر الخط الاخضر أو من مصدر المنشأ حيث يجري التلاعب بقيمة البضائع ونوعيتها.

مصادر جمركية تشرح لـ"النهار" الآلية التي تخضع لها عملية تخليص البضائع في المرفأ بالاشارة الى نظام "آسيكودا" الذي يُعرف في لبنان بنظام نجم. فحين يريد المخلّص تخليص بضاعة التاجر هو بحاجة إلى تصريح جمركي وتعريف عن نوعية البضاعة، فضلا عن القيمة والوزن، ثم يصار الى تعبئة هذه المعلومات عبر نظام نجم لإرسالها الى قسم الجمارك، واستناداً الى معايير وضعها المجلس الأعلى للجمارك والتي تبقى سريّة، تصنف البضاعة في خانة "الخط الأخضر"، "الخط الأصفر" و"الخط الأحمر".

فالخط الأحمر يدل على أن البضاعة بحاجة إلى كشف من موظف جمركي وأخذ عيّنة للفحص منها، فيما "الأصفر" يدل على التدقيق في البيانات والأوراق مجددا، وفي حال حصل تشكيك بأمر ما يحوّل إلى أحمر. أما الأخضر فيسلك طريقا آمنا إلى أن يكشف عنه جهاز أمن المرفأ الذي اصلا يكشف على البضائع كافة في نهاية المطاف.

وأوضح المصدر انه "في بعض الأحيان توضع البضائع في "الخط الأحمر" عشوائيا، علما أن بلد المنشأ يلعب دورا في تحديد ما إذا كانت البضاعة آمنة أم لا. مثلاً إذا كان بلد التصدير من أوروبا من المرجح أكثر أن تصنف في "الخطّ الأخضر"، حيث تخضع لنظام كشف جمركي في أوروبا وتحصل على شهادة "euro1" قبل ارسالها إلى لبنان، ولكن في مطلق الاحوال لا يوجد أي بلد لديه نسبة مئة في المئة تصنيف أخضر".

يذكر اللبنانيون أن الوزير السابق محمد الصفدي حاول إصلاح وتفعيل أجهزة "السكانر" المتوقفة عن العمل بحجة عدم الصيانة، لفرض رقابة أكبر وشاملة على جميع المستوردات، لكنه صرح ساخرا بعد فترة بأن "السكانر" تعطلت بعد يومين من مباشرتها العمل، وتجرّأ على القول بسخرية أكبر "عطلوها".

المشكلة لا تزال على حالها منذ سنوات، إذ يشكو الكثير من المستوردين والصناعيين من الاعطال الدائمة لأجهزة "السكانر" ونظام نجم، علما أن رئيس جمعية الصناعيين سليم الزعني أكد لـ"النهار" أن الصناعيين يسددون نحو 750 ألف ليرة اضافية على كل معاملة للمساهمة في تجديد اشتراكات برامج software للأجهزة، فيما يشدد المصدر الجمركي على أنه "في حال تعطل النظام تبقى جميع البضائع في مكانها، اذ يستحيل اخراجها من دون تصريح". أما الوزير السابق فادي عبود فاعتبر أن "لا حاجة لأن تكون السكانر معطلة لكي تنشط عمليات التهريب، يكفي ان يحصل المهرب على المسار الأخضر لكي لا يخضع للمراقبة، خصوصا اذا كان المهرب لديه علاقات مع اصحاب القرار أو شركاء في المرفأ، علما ان الاجهزة الامنية داخل المرفأ لها الحق في أن تكشف على المستوعبات حتى لو مرت عبر المسار الاخضر".

"لكن كيف تتم عملية التهريب؟"، يوضح المصدر أن "عملية التهريب تحصل عبر التزوير في نوعية البضاعة أو قيمتها، أو حتى وزنها، إذ يتم التزوير في الأمور التي تُحتسب عليها الرسوم، ويحاول المستورد أن يتجنب الرسوم المرتفعة من خلال التغيير في وقائع البضاعة عبر تعبئة نظام نجم بمعطيات كاذبة عن القيمة الحقيقية للبضاعة، اضافة الى محاولة ادخال بضاعة ممنوعة أو بضاعة بحاجة إلى موافقة الوزارة المعنية من خلال تغيير التعريف عنها".

  ads




Please Try Again