محليات

عندما يرقص القضاء على جثة العدالة هنا تكمن حقيقة المعركة!

Please Try Again

ads




ربما تكون مسألة توقيف الناشط في قضية تفجير مرفأ بيروت وليم نون في مركز أمن الدولة في الرملة البيضاء، وبعدها التحقيق مع 12 من أهالي الضحايا في ثكنة بربر الخازن في فيردان، اتخذت منحى شعبيًّا عاطفيًا فغطّى على مجريات الأحداث وما يحصل خلف كواليسها من مخططات. ذاك المنحى الشعبي العاطفي كان مبرّرًا نظرًا للظلم اللاحق بالأهالي وبالقضية بعينها من عرقلة التحقيق عنوة، واستهداف الناس المنكوبين ظلمًا لمجرّد أنهم يطالبون بالحقيقة.

ثمّة مكيدة لم تعد خافية على أحد وهي وقف مسار العدالة في قضية تفجير الرابع من آب. تم اعتماد المسار القانوني بتقديم طلبات كف اليد، والمسار السياسي بالضغط لتغيير المحقق طارق البيطار. ولما لم تنجح، جرى العمل على تعيين محقّق رديف في سابقة تحمل هي الأخرى أبلغ الدلالات. وأيضًا المسار الميداني بالتظاهر كما في "واقعة الطيّونة" ومحاولة خلق أمر واقع جديد ينهي التحقيقات... ومؤخرًا بالطرق البوليسية لإسكات أهالي ضحايا المرفأ الصوت الأعلى الذي ما زال يذكِّرهم بأن حقًّا وراءه مُطالب لا يموت.

الأدهى من ذلك أن "حزب الله" محسوم بالنسبة إليه من اليوم الأول أن التحقيق لن يمر ولن يُسمح باستكماله تحت أي ظرف، لا دوليا ولا محليا، لا مع فادي صوان ولا مع طارق البيطار... ولا مع غيرهما. ولتحقيق ذلك بعد عدم رضوخ الأهالي واستسلامهم، كان لا بد من اللجوء إلى توقيف نون واستدعاء الناشطين لإطفاء محركي الأهالي، بعدما لم تنفع في السابق قسمتهم إلى شطرين.

المعركة إذن على جبهتين: جبهة "الحزب" الذي يريد أن يسيطر على الدولة والناس والمؤسسات ويسيّر الجميع بحسب مصالحه ومشيئته. وعلى جبهة القضاء المتداعي آخر حصون الحق، الذي إذا ما انهار انهار معه كل شيء. فمن مساء الرابع من آب لحظة تسجيل الحركة الغريبة في منطقة الإنفجار وحتى اللحظة، لم يترك جماعة "يكاد المريب يقول خذوني" مناسبة لم يقتنصوها لوقف التحقيق. ولم ينجح ما بقي في الجسم القضائي سليمًا، في تحييده ورفع مناعته، فلا يكون أداة في يد الخارجين على القانون والمانعين تطبيقه.

ثمّة من يقول إن الهدف من توقيف نون كان أبعد مما حصل، لو لم ينتفض الناس لحقهم وكراماتهم ويتضامن السياسيون مع قضية فجور. فـ"حزب الله" ممثلًا بالقاضي حماده، و"التيار الوطني الحر" ممثلًا باللواء صليبا عبّرا في ما قاما به عن أمرين: فإما الخوف من تنامي الغضب، وإما الإنتقام ممن يرفضون الخضوع. وربما يكون "الحزب" أراد تذكير من سهى عن باله، بأنه هو من يقرر في هذه الجمهورية التعسة المتلاشية المتروكة لقدر التدمير وسوء المصير.

في الواقع، لو كان هذا القضاء فاسدًا بالسواسية لما انتفض الناس ولو انتقدوا. ثمّة تمييزٌ لم يعد مقبولًا ولم يعد قابلًا للإستمرار. ثمّة خنوعٌ عند البعض لم يعد قادرًا على الحياة... يا ساده، هذا القمع البغيّ وهذا القتل الساديّ وهذا السلوك الفوقيّ، إنما تؤدي إلى واحد من أمرين: في المجتمعات الضعيفة الإرادة، إلى الخوف والإستسلام، وهذا ما هو حاصل عند أتباعكم. وفي المجتمعات الصلبة المقاوِمة، إلى الرفض والثورة، وهذا ما سيحصل في وجهكم.
بعد هذا التدمير الممنهج للدولة والقضاء وخصوصًا باتفاق الحزب والتيار، والتقويض القاتل للعدالة، بدا القضاء كهيكلٍ أُصيب من الأعلى وراحت أجزاؤه المتناثرة تُحطِّم بعضها البعض أثناء السقوط حتى القاعدة. أما العدلية التي تغطّت بالقانون لممارسة الكيدية بحجّة كسر زجاج، فليتها حمت زجاجها من انفجار المرفأ وحمت هيبتها من تداعياته وأغلقت النوافذ بوجه العابثين بالعدل، فلربما كانت حافظت على هيبةٍ لا تنكسر ونافذةٍ لا تُرجَم وسلطةٍ لا تُعيَّر ولا تُعار!

سيمون سمعان - أخبار البلد ads




Please Try Again