محليات

عن معجزة العيش في الغابة اللبنانية

Please Try Again

ads




اليوم، إذا ما غامرت في القول لأي لبناني، مهما كان عِلمه وثقافته وانتماؤه،"إن الدولة هي أرقى أنواع الاجتماع الانساني"، فإنك تخاطر بالتعرض للإستهزاء، إن لم يكن الاتهام بالضعف في قواك العقلية. هكذا كان الحال في لبنان دائماً، لكنه تفاقم في السنوات الثلاث الماضية، تحللت بنى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، الواحدة تلو الأخرى، وزاد معدل العثور على بدائل للوظائف والادوار المتواضعة أصلاً التي كانت تقوم بها تلك الدولة.

وهو مؤشر جديد،لا يعبر فقط عن اليأس الدائم من بناء دولة طبيعية في لبنان، بقدر ما يعكس القدرة على اكتساب مناعة العيش من دونها. وهو ما يمكن ان يضاف الى نتائج "المؤشر العربي للعام 2022" الصادر مؤخراً، الذي كشف عن نِسبٍ وأرقامٍ صادمة لتراجع ثقة اللبنانيين، الى الحدود الدنيا، بالسلطة والسياسة والأمن والقضاء، (وبينها المحاكم الشرعية)، فضلا عن الاقتصاد ومستقبله، بما فيه القطاع الخاص..ما يضع لبنان في المراتب الاخيرة او المتدنية بالمقارنة مع بقية البلدان العربية.

ما يمكن استخلاصه من هذه المؤشرات والمعدلات، هو ان الإيمان بفكرة الدولة الذي لطالما كان ضعيفاً لدى اللبنانيين، انحدر في الفترة الاخيرة بوتيرة سريعة الى ما دون التوقعات: كان يعتقد ان انهيار مؤسسات الدولة، على النحو السائد حاليا، وإستبدالها بشريعة الغاب، السابقة على ذلك النمط من الاجتماع الانساني، سيثير الرعب الشعبي، وسيدفع الى مراجعة الموروث اللبناني العام عن الاحتقار للفكرة، وعدم الاحترام القديم لشروط تنفيذها، والتعاطي معها باعتبارها فقط بؤرة للفساد والجريمة المنظمة، ليس إلا.

الجديد الآن أن الفكرة تسقط يوميا من جدول الاهتمامات الشعبية، ويحل محلها النجاح المتنامي في التجارب البديلة، الفردية خاصة، او على الاقل المبنية على أضيق حدود ممكنة، العائلة، المبنى، المجمع، او الحي، أو القرية..لتوفير الخدمات الضرورية بما فيها الامن الذاتي،ولتنظيم الاعتماد على الخارج، مصدر التحويل المالي تحديداً والتمويل التربوي والصحي والاجتماعي، من دون الحاجة للمرور عبر الدولة وقنواتها وضرائبها طبعا.

وفي هذه التجربة، ريادة لبنانية لا شك فيها، بل لعلها المؤشر الوحيد على التميز ، بعدما تبددت ثورة تشرين العام 2019، بسرعة من دون ان تنتج ديناميات سياسية او اجتماعية جديدة، وكانت الانتخابات النيابية الاخيرة ونتائجها خطوة اضافية الى الوراء، لم تساهم إلا في تسريع الانهيار، وفي دفع مسارات البحث عن بدائل مبتكرة للاجتماع الوطني الميؤوس منه، والذي لا يبدو في الافق أنه في وارد الاصلاح أو التطوير.. بل هو يمضي بسرعة في الاتجاهات المعاكسة تماما، لكل ما يمكن ان يجعل التعايش والتساكن خياراً يمتد على كامل مساحة الجمهورية اللبنانية المعترف بها دوليا.

في التقرير الشهير الصادر قبل عامين، عن البنك الدولي، جرى تصنيف الانهيار الاقتصادي اللبناني، كواحد من أسوأ ثلاث أزمات عالمية سجلت منذ منتصف القرن التاسع عشر. لم يجر التدقيق في الازمتين الأخريين المشابهتين، كما لم يتم التوقف عند ذلك التاريخ بالذات، هل المقصود هو العام 1850، او الفترة الممتدة بين العامين 1840 و1860، أم أن الامر يتصل فقط بعمليات الرصد الاولى للازمات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها الدول الغربية الحديثة التكوين يومها. ولا حاجة للاشتباه بأي وحي دولي يعيد لبنان الى تلك الفترة العصيبة (والمعيبة) من تاريخه.  

في التقارير الاخيرة، سواء تلك الصادرة عن البنك الدولي نفسه، او عن صندوق النقد الدولي او عن سواهما من المؤسسات العالمية الكبرى، إشارات غير مباشرة الى أن ما كان يخشى منه في لبنان ، او ما يسمى بالارتطام الأخير في القاع المحدد بالافلاس التام للدولة والمجتمع، لم ولن يحصل، والاصلاح الكبير الذي كان شرطاً ضرورياً للبقاء على قيد الحياة، لم يعد مستعجلاً، طالما ان قدرة اللبنانيين على التكيف مع الازمة ومناعتهم، لاحدود لها، بدليل ان الشارع لم ينفجر، والأمن لم يضطرب أكثر من المألوف.

كلفة هذا الاستنتاج باهظة جدا،لا سيما على مليونين ونصف مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر، يقابلهم عدد مماثل من اللبنانيين الذي لا يصنعون معجزة، كما يشاع، لكنهم يحققون سابقة في التاريخ الانساني: بلد بلا دولة، وشعب بلا مؤسسات، واقتصاد بلا سوق ولا قانون!           ads




Please Try Again