لجنة المال: تسهيلات مع المكلّفين وتشدد مع المتهربين من الضرائب في موازنة 2027
أيزنكوت على أبواب الحكم... من يملك المفاتيح وما الثمن؟
لم تكن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مجرد استحقاق لاختيار رئيس حكومة جديد، بل عكست أزمة أعمق داخل إسرائيل، تتصل بإخفاق 7 تشرين الأول 2023، وتداعيات الحروب، والانقسام الداخلي، وتراجع الثقة بالقيادة السياسية والأمنية. وفي هذا المشهد، برز اسم غادي أيزنكوت، رئيس الأركان السابق وزعيم حزب "ياشار"، كأحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو، وسط معركة ائتلافية لم تُحسم نتائجها بعد.
وقد عكست الحملة الانتخابية، وفق تحليل نشرته صحيفة The Jerusalem Post في 3 أيلول 2026، أن التحدي الأساسي أمام إسرائيل لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية، بل يتمثل في تحويل هذه المكاسب إلى نتائج سياسية واستراتيجية مستدامة، وهو ما جعل أيزنكوت يركز في حملته على مسألة القيادة وإعادة بناء موقع إسرائيل إقليمياً ودولياً.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان أيزنكوت سيشكّل نقيضاً لنتنياهو، بل ما إذا كانت إسرائيل تريد تغيير سياستها فعلاً، أم أنها تبحث عن قيادة جديدة تعيد ترميم مؤسساتها وتمنحها قدرة أكبر على تنفيذ أهدافها الأمنية والاستراتيجية.
يحاول أيزنكوت تقديم نفسه باعتباره رجل المرحلة الانتقالية، مستنداً إلى خلفيته العسكرية وخبرته في رئاسة الأركان بين عامي 2015 و2019. ووفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الجيش الإسرائيلي (IDF)، تولّى قيادة الأركان في 16 شباط 2015، وأنهى ولايته في كانون الثاني 2019، بعد مسيرة عسكرية استمرت 41 عاماً.
وبعد هجوم 7 تشرين الأول، انضم أيزنكوت إلى مجلس الحرب، حيث شارك في صياغة أهداف الحرب وإدارتها، كما خسر نجله غال في المعارك في قطاع غزة في 7 كانون الأول 2023.
وقد تناولت صحيفة The Times of Israel هذه التجربة في مقابلة مطوّلة معه نُشرت في 6 تشرين الأول 2026، وناقشت تأثير الخسارة الشخصية في قراره الاستمرار في الحياة السياسية.
في مقدمة مشروعه السياسي، يضع أيزنكوت تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق 7 تشرين الأول، ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وأثناء الحرب، وفي هذا السياق، نقلت The Times of Israel عنه، في تقرير نشرته في 29 تشرين الأول 2026، أنه بدأ إعداد التشريعات اللازمة لإنشاء لجنة تحقيق رسمية، بالتوازي مع مشروع قانون للخدمة العسكرية والوطنية الشاملة.
كما يطرح مراجعة التشريعات المرتبطة بالتعديلات القضائية التي أقرتها حكومة نتنياهو، وإعادة صياغة العلاقة بين السلطات. ووفق البرنامج السياسي المنشور على الموقع الرسمي لحزب "ياشار"، فإن الحزب يدعو إلى وضع دستور يحدد التوازن بين السلطات، ويحافظ على استقلال القضاء وقدرة الحكومة على ممارسة صلاحياتها.
أما ملف تجنيد اليهود الحريديم، فيشكّل أحد أبرز عناوين مشروعه، إذ يرفع شعار "الخدمة للجميع"، بما يشمل الخدمة العسكرية أو المدنية والوطنية، وبحسب معهد الديمقراطية الإسرائيلي (Israel Democracy Institute)، يتضمن برنامج الحزب إلزام جميع المواطنين بالخدمة وفق القانون، في إطار يسعى إلى توزيع الأعباء والمسؤوليات بصورة أكثر توازناً، وهذا التوجه يضع أيزنكوت في مواجهة محتملة مع الأحزاب الدينية التي تتمسك باستمرار الإعفاءات الواسعة لطلاب المعاهد الدينية.
اقتصادياً، لا يقتصر برنامجه على وعود عامة بتخفيف غلاء المعيشة، بل يتضمن إجراءات تتصل بفتح الأسواق وتعزيز المنافسة وتقليص الاحتكارات وإزالة بعض القيود على الاستيراد. ووفق الخطة الاقتصادية المنشورة على الموقع الرسمي لحزب "ياشار"، يسعى الحزب إلى وضع الطبقة الوسطى العاملة والشباب والعسكريين والاحتياط في مقدمة المستفيدين من السياسات الحكومية، من خلال تعديل الحوافز الضريبية والمساعدات السكنية ودعم الأسر العاملة، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية والنقل والتعليم والصحة في المناطق الطرفية.
لكن الانتقال من نتنياهو إلى أيزنكوت لا يعني بالضرورة انتقال إسرائيل إلى سياسة أكثر اعتدالاً، فالرجل الذي قاد الجيش خلال سنوات شهدت مواجهات مع حزب الله، ارتبط اسمه بما عُرف بـ"عقيدة الضاحية". ويقرّ الموقع الرسمي لحزبه بأن أيزنكوت وضع هذه العقيدة خلال توليه قيادة المنطقة الشمالية ورئاسة مديرية العمليات، وتقوم على الرد بصورة غير متناسبة ضد البنى التحتية التي يستخدمها حزب الله في حال اندلاع مواجهة مع إسرائيل.
وفي لبنان، لا تشير مواقفه إلى التخلي عن فكرة المنطقة الأمنية. فقد ذكرت The Jerusalem Post في تقريرها الصادر في 3 أيلول 2026 أن أيزنكوت يؤيد الإبقاء على منطقة أمنية ذات عمق مؤثر في لبنان، كما في غزة وسوريا، وأن الفارق بينه وبين نتنياهو قد يكون في طريقة إدارة هذا الملف، لا في التخلي عن الأهداف الأمنية الإسرائيلية.
وفي تقرير آخر للصحيفة نفسها، أوضحت أن أيزنكوت يريد إعطاء الولايات المتحدة دوراً أساسياً في متابعة أداء الجيش اللبناني وتقييم مدى استيفائه الشروط المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي، لكنه يسعى أيضاً إلى إعادة فرنسا إلى موقع مؤثر في هذا المسار، خلافاً لنهج نتنياهو الذي شهد توتراً مع باريس.
أما في الملف الإيراني، فيضع أيزنكوت منع طهران من امتلاك سلاح نووي في صلب أولوياته. ووفق تقرير خاص نشرته The Jerusalem Post في 3 أيلول 2026، فإنه لا يقبل باتفاق نووي يكتفي بتأجيل الخطر الإيراني، بل يشترط اتفاقاً يضمن إزالة التهديد بصورة دائمة، مع عمليات تفتيش طويلة الأمد وفي أي وقت ومكان. كما طرح تصوراً يقوم على إقامة ما وصفته الصحيفة بـ"منطقة قتل" أميركية حول المواقع النووية الإيرانية الحساسة، لمراقبة أي محاولة لنقل المواد النووية أو إعادة تشغيل البرنامج.
ويشير التقرير نفسه إلى أن أيزنكوت لا يستبعد اللجوء إلى القوة إذا فشلت الضغوط والمفاوضات في الوصول إلى اتفاق يحقق الشروط الإسرائيلية، ما يعني أن الاختلاف المحتمل مع نتنياهو قد يكون في أسلوب إدارة الملف والتنسيق مع واشنطن، وليس في الهدف النهائي المتمثل بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
أما فلسطينياً، فموقفه لا يندرج في إطار تأييد قيام دولة فلسطينية مستقلة في المرحلة الحالية. فقد نقلت The Times of Israel عنه في أيار 2025 قوله إن طرح إقامة دولة فلسطينية أصبح "غير ذي صلة" بعد هجوم 7 تشرين الأول، وإن إسرائيل ينبغي أن تتعامل مع الملف من موقع القوة وأن تأخذ وقتها قبل اتخاذ قرارات بشأنه.
وفي مقابلة أخرى مع The Times of Israel في تشرين الأول 2026، تحدث أيزنكوت عن ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وعن تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحركة حماس في غزة. لذلك، فإن الحديث عن استبدال حكم حماس بدور للسلطة الفلسطينية لا يعني، وفق مواقفه المنشورة، تبنّيه قيام دولة فلسطينية مستقلة أو التخلي عن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
وعليه، قد يكون الفارق بين أيزنكوت ونتنياهو في إدارة المواجهات والعلاقات الدولية، وليس بالضرورة في جوهر الأهداف الأمنية، فهو يسعى إلى ترميم العلاقة مع واشنطن وأوروبا، وتوسيع الاتفاقات الإقليمية، وتخفيف العزلة الدبلوماسية، من دون تقديم تنازلات استراتيجية في الملفات الأساسية. وقد أشارت The Jerusalem Post إلى أن أيزنكوت يرى أن سلوك نتنياهو وشركائه في الائتلاف أضرّ بصورة إسرائيل لدى الدول الغربية، وأن تغيير النبرة السياسية وإعادة فتح قنوات التعاون قد يساعدان في إصلاح هذه العلاقة.
من يمنح أيزنكوت مفاتيح الحكم؟
انتخابياً، أظهرت النتائج النهائية التي أوردها موقع Middle East Forum حصول حزب الليكود برئاسة نتنياهو على 27 مقعداً، مقابل 21 لحزب "ياشار" بقيادة أيزنكوت، و12 لحزب "معاً" بقيادة نفتالي بينيت، و8 مقاعد للديمقراطيين برئاسة يائير غولان، و7 لحزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان. كما حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعداً، و"رعم" على 8 مقاعد.
وبذلك، يبلغ مجموع الأحزاب المحسوبة على معسكر نتنياهو 53 مقعداً، فيما يبلغ مجموع الأحزاب الصهيونية المعارضة له 48 مقعداً، مقابل 19 مقعداً للأحزاب العربية. وهذه الأرقام تعكس خريطة المقاعد، لكنها لا تعني أن أيّاً من المعسكرين يمتلك وحده أكثرية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.
وفي تطور لافت، أعلن نفتالي بينيت دعمه تكليف أيزنكوت بتشكيل الحكومة، كما أعلن يائير غولان، وفق ما أوردته The Times of Israel في 2 تشرين الثاني 2026، أنه سيوصي بتكليفه خلال المشاورات مع الرئيس إسحاق هرتسوغ. لكن هذا الدعم يتعلق بالتوصية بتكليف أيزنكوت، ولا يعني بالضرورة الاتفاق على تفاصيل الائتلاف أو ضمان التصويت لحكومته في الكنيست.
أما ليبرمان، فلا يمكن إدراجه في خانة الداعمين المحسومين. فقد ذكرت The Times of Israel أن موقفه من دعم أيزنكوت لم يكن قد حُسم، فيما نقلت Ynet أنه يرفض بصورة متكررة تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت. وهذا الموقف يضع عقبة أمام أحد أبرز المسارات الحسابية المتاحة أمام أيزنكوت.
وتبرز هنا ثلاثة مسارات محتملة لتشكيل الحكومة:
المسار الأول: الاستناد إلى دعم الأحزاب العربية.
حسابياً، يمكن جمع مقاعد أحزاب المعسكر المعارض، وعددها 48، إلى مقاعد القائمة المشتركة و"رعم"، وعددها 19، للوصول إلى 67 مقعداً. لكن هذا الرقم لا يمثل ائتلافاً جاهزاً، إذ يتطلب تفاهمات سياسية مع الأحزاب العربية، كما يواجه رفضاً واضحاً من ليبرمان، وتحفظات لدى بينيت بشأن حكومة تعتمد على دعم هذه الأحزاب.
وبحسب Ynet، يدفع يائير غولان باتجاه حكومة تستند إلى دعم القائمة المشتركة أو امتناعها عن التصويت، أو إلى إشراك "رعم" في الائتلاف، في حين يرفض ليبرمان هذا الخيار. أما The Times of Israel فتشير إلى أن قادة المعسكر المعارض يواجهون مفاضلة بين الأحزاب العربية والحريديم أو حتى حزب الليكود، وكل خيار من هذه الخيارات يفرض عليهم التراجع عن تعهدات انتخابية سابقة.
المسار الثاني: استمالة الأحزاب الحريدية.
يملك حزبا "شاس" و"يهدوت هتوراه" معاً 13 مقعداً، ما يجعلهما رقماً مؤثراً في أي حسابات ائتلافية. لكن المشكلة تكمن في ملف التجنيد، إذ تتمسك الأحزاب الحريدية بالحصول على تشريع يضمن إعفاءات لطلاب المعاهد الدينية، فيما يضع أيزنكوت قانون الخدمة الشاملة في مقدمة أولوياته.
وذكرت Ynet أن حزب "يهدوت هتوراه" يدرس خياراته، بما فيها عدم دعم أي مرشح، وأن الخلاف حول قانون التجنيد قد يعرقل أي تفاهم مع أيزنكوت. كما أوردت The Times of Israel أن الحزب لم يتلقَّ عرضاً واضحاً من أيزنكوت، وأن قيادته لم تحسم موقفها من توصية الرئيس بتكليف مرشح معين. لذلك، لا يمكن اعتبار انفتاح الحريديم على أيزنكوت أمراً محسوماً، بل يبقى احتمالاً تفاوضياً تصطدم فرص نجاحه بتعارض المصالح في ملف الخدمة العسكرية.
المسار الثالث: حكومة وحدة وطنية.
يبقى خيار حكومة الوحدة الوطنية مطروحاً نظرياً، لكنه يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يتطلب تفاهمات بين معسكرين خاضا الانتخابات على أساس إخراج نتنياهو من الحكم من جهة، ورفض التخلي عن شركائه التقليديين من جهة أخرى.
وبحسب Ynet، فإن تشكيل حكومة وحدة يفرض على الطرفين تقديم تنازلات كبيرة والتراجع عن تعهدات انتخابية أساسية، فيما نقلت The Times of Israel أن الرئيس إسحاق هرتسوغ أبدى رغبة في تجنب انتخابات جديدة، ولم يستبعد العمل على صيغة وحدة وطنية. لكن ذلك لا يعني وجود اتفاق سياسي فعلي على هذا الخيار حتى الآن.
بالنسبة إلى لبنان، لا ينبغي التعامل مع احتمال وصول أيزنكوت باعتباره مؤشراً تلقائياً إلى تراجع التهديد الإسرائيلي. فخلفيته العسكرية ومواقفه من حزب الله وإيران، إلى جانب تأييده الإبقاء على منطقة أمنية، تطرح احتمال استمرار الضغط الأمني، لكن ضمن مقاربة قد تكون أكثر تنسيقاً مع واشنطن وباريس، وأكثر اهتماماً بإعادة بناء الغطاء الدبلوماسي للسياسة الإسرائيلية.
وفي المحصلة، قد لا تكون إسرائيل أمام مراجعة لعقيدتها الأمنية بقدر ما تكون أمام محاولة لإعادة بناء قدرتها السياسية والمؤسساتية والدبلوماسية. فهل يأتي أيزنكوت لتغيير سياسة إسرائيل، أم ليجعلها أكثر قدرة على تنفيذ السياسة نفسها، ولكن بأدوات مختلفة؟
ارغوريتا زريق-الكلمة اونلاين
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|