الصحافة

مَن يضمن مرحلة ما بعد الفوضى؟

Please Try Again

ads




لن يلجم أحدٌ سعر صرف الدولار الأميركي. هو في تصاعد مستمر، ولن يكون له سقف، ومصرف لبنان ربما بات عاجزاً عن الامساك بالوضع (وقد لا يريد) من دون حلول سياسية مالية جذرية غير موجودة مع وزارة مال استقالت منذ زمن من مسؤولياتها، وحكومة مستقيلة بالكاد تصرّف الأعمال، وطبقة سياسية لا تزال تعمل وفق منطق النكايات، والمصالح الطائفية والمناطقية، ولا تقيم للشأن الوطني أيّ اهتمام أوّلي.

الانهيار بلغ كل القطاعات، وآخرها القضاء، الذي لم يكن يكفيه إضراب طال وعطل مصالح الناس، او تعطيل التشكيلات، او "ثورة" أو "تمرّد" القاضية غادة عون، حتى دخل في متاهة التحقيقات في ملف انفجار المرفأ، بعدما استعاد القاضي طارق البيطار "حيويته"، ليمارس نشاطاً غير معتاد. القرارات والادعاءات التي اصدرها في اليومين الاخيرين، يصفها بعض الشارع بأنها "عمل رجّال" من دون الانحياز الى ذكورية ما، وهي، وإن كانت جريئة، (البعض يراها متهورة) إلا انها في واقعها تقود الى حرب أهلية جديدة، أو في الحد الادنى، الى 7 أيار جديد، تمارسه أحزاب السلطة، مدعومة هذه المرة بالأجهزة الأمنية المتضررة، وبغطاء أهل القضاء أنفسهم الذين بلغتهم الدعاوى والاستدعاءات، ما حدا بالمدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات الى الاستعانة بآيات قرآنية، لا بمواد قانونية، محرّكاً الغريزة الطائفية للدفاع عن نفسه، لا عن القضاء، قبل أن يتخذ قرارات "عشوائية" تقضي على ما تبقّى من تلك السلطة وتشرّعها للسياسة. أما الأمن فحدِّث ولا حرج، فإن استدعاء المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا، وقائد الجيش السابق العماد جان قهوجي، ومسؤولين في المخابرات، وغيرهم، (من دون القيادة الحالية) يدفع هؤلاء الى الهجوم المضاد، فلا يعود الأمن أولوية، بل سحب فتيل الادعاءات، وبذلك يمكن لأي فريق داخلي أو خارجي، النفاذ الى خربطة الوضع وضرب الاستقرار.

الى ذلك، فإن العقوبات الأميركية، وربما الأوروبية تالياً، على سياسيين ومصرفيين وأمنيين، يمكن أن تجعل نصف الطبقة السياسية والمالية والامنية في موضع الاتهام ودائرة الشبهات، وربما في دائرة القصاص، مشرّعة بذلك عملية "التغيير" التي لم تنجح فعلياً خلال انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، وسيكون سعر صرف الدولار الصاعد بجنون، الشرارة التي ستشعل الشارع من جديد.

هذه الخطة تحدّث عنها كثيرون، عند اندلاع الانتفاضة في 2019، متهمين دولاً ومنظمات بتحريك الشارع لقلب النظام الذي يحضن المقاومة. ثم جاء الرئيس الفرنسي عقب انفجار المرفأ ليتحدث عن ضرورة تغيير الطبقة السياسية التي وصفها بـ"الفاسدة" قبل ان يمدها مجددا بالاوكسيجين.

هذه الخطة، إن وُجدت، فإنها تطلّ برأسها من جديد وفق مراقبين يستشعرون الخطر الآتي، إذ إن مقومات الدولة التي توافرت في العام 2019، لم تعد موجودة في ظل انهيار كامل لم ينجُ منه أيّ قطاع.

ماذا بعد؟ ربما تكون خطة الفوضى الخلاقة مطلوبة في لبنان، لهدم كل التركيبة، والقضاء على كل المنظومة، لكن الخوف، كل الخوف، ألّا تكون خطة مُحكمة ورؤيوية، فيدخل البلد كله في الفوضى المدمرة التي شاهدنا فصولاً منها في غير دولة عربية.

والخوف أيضاً ان يكون الحصار الممارَس على "حزب الله" خيراً له، كما حصل في التضييق المالي، فيجد الفرصة المناسبة لطرح المؤتمر التأسيسي الذي لن يكون مفرٌّ منه في ظل انفراط عقد الدولة.

"النهار"- غسان حجار ads




Please Try Again