"ممنوع إطعام النازحين قبل إطعامنا": ألهذا الدرك أوصلتنا دولتنا؟ و الوزراء اللبنانيون يطمعون بأموال اللاجئين
يتقدم ملف عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، إلى الواجهة مجدداً، من بوابة الخلاف المستجد بين الحكومة اللبنانية ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حول القيمة المالية للمساعدات التي تسعى الأخيرة إلى تقديمها للاجئين السوريين.
التحولات السياسية
في السياسة، فشل لبنان بتنفيذ خطة عودة اللاجئين السوريين، التي جرى التسويق لها في صيف العام الماضي، وتبددت بفعل الخلافات السياسية حولها داخل الحكومة، وعدم تبنيها من المجتمع الدولي، ناهيك عن عدم إقدام السوريين على تقديم طلبات العودة لدى الأمن العام اللبناني. لكن التصلب بالموقف الرسمي اللبناني اليوم، يستند إلى ظروف إقليمية مختلفة، لا تصب في مصلحة اللاجئين والرافضين لخطة العودة، في ظل انفتاح دولي وعربي، وخليجي–سعودي تحديدًا، هو الأول من نوعه على النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، متقدمًا نحو عتبة العودة إلى جامعة الدول العربية.
وإذا كان ملف اللاجئين السوريين يسخن في أكثر من دولة من لبنان إلى تركيا والأردن، فإن كل المطالبين بعودتهم إلى بلادهم، يعتبرون هذا المطلب جزءاً لا يتجزأ من شروط أو بنود عودة النظام رسميًا إلى الحاضنة العربية والانفتاح عليه. هذه التطورات مع تفاصيل كثيرة أخرى تتمحور حولها، دفعت وزارة الشؤون الاجتماعية إلى رفع السقف بوجه المفوضية، بإعلانها رفض توجهها إلى رفع قيمة المساعدات المالية للسوريين في لبنان.
راتب الوزير
بالأمس، وفي لقاء جمع وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار أمام وفد ضم المنسق العام المقيم للأمم المتحدة عمران ريزا، ممثل مكتب المفوضية إيفو فرايجسن ومدير برنامج الأغذية العالمي عبدالله الوردات، بحثوا في مسألة زيادة المساعدات النقديّة المخصصة للنازحين السوريين في لبنان؛ أعلن حجار "عدم موافقته على أي طرح لا ينطلق من مبدأ العدل والمساواة بين اللبنانيين والنازحين السوريين الموجودين بضيافته على أرضه".
وتفيد معطيات "المدن" حول مضمون الخلاف، أن المفوضية طلبت السماح لها بدفع مبلغ تصل قيمته إلى نحو 45 دولاراً شهريًا لكل عائلة مسجلة لديها، ورفع مستحقات كل أسرة بالليرة من 2 مليون و500 ألف إلى حوالى 15 مليون ليرة.
هذه الأرقام، شكلت استفزازًا لوزير الشؤون، لدرجة أن أوساطاً حكومية وضعتها "في خانة تهديد الاستقرار بين اللبنانيين والسوريين، وزعزعة الأمن مع تجاوز قيمة المساعدات لكل أسرة لاجئة سورية، أكثر من ضعفي راتب موظف عام، وحتى أكثر من راتب وزير".
وفي حديث مع "المدن"، يعتبر حجار أن ثمة اختلافاً جذرياً بوجهات النظر بين وزارته والمفوضية، و"بالنسبة لنا، لا نقبل ولا نستطيع أن نوافق على أن تكون المساعدات التي تعطى بالليرة اللبنانية للسوريين، تتجاوز قيمة راتب مدير عام أو محافظ بالدولة اللبنانية أو وزير أو نائب".
ويقول حجار: "نحن في أوضاع متردية جداً في لبنان، والقطاع العام بحالة إضراب من دون النظر إلى رواتبه، وحين يرى اللبناني أن السوري في بلده يتقاضى مساعدة أكثر من راتبه، سيشكل ذلك بيئة للنزاعات ويهدد الاستقرار الذي نحرص عليه، وهذا ما جعلني أصر على رفض رفع قيمة المساعدات" .
تعثر العودة
عملياً، بدأت خطوة العودة أولى مفاعيلها سنة 2017، ثم توقفت بفعل جائحة كورونا والتطورات التي شهدها لبنان، إلى أن أعلن لبنان استئنافها بتصور جديد في تشرين الأول 2022، رغم كل الانتقاد التي واجهها من منظمات حقوقية ودولية، والتي هاجمها حينها المدير السابق للأمن العام عباس إبراهيم.
ويذكر أن الأمن العام أعلن رقمًا رسميًا جديدًا حول وجود 2 مليون و80 ألف لاجئ سوري على الأراضي اللبناني، معظمهم غير مسجلين رسميًا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين السوريين (UNHCR)، وأن 42% من نزلاء السجون اللبنانية هم من السوريين، وأن الأمن العام تمكن منذ إطلاق خطته في 2017 من إعادة 540 ألف سوري طوعًا إلى بلدهم.
وهنا، يقر حجار أن خطة العودة حاليًا مجمدة، "لكن هناك ديناميكية تحرك جديدة لمستها بعد زيارة جنيف وبروكسل وباريس، وربما أتحرك إلى سوريا، لتحريك عجلة هذا الملف".
كل ذلك، على حد قوله، "لتفعيل مخرج جديد لخطة العودة، وعلينا أن نذهب إلى مؤتمر دولي بمشاركة الجميع لتقييم وضع السوريين المقيمين في لبنان، ومعظمهم ليسوا بالحقيقة نازحين".
جرائم بحق شعبين
وواقع الحال، ينحدر معظم اللاجئين السوريين في لبنان من مدن وأرياف سورية دمرت الحرب بنيتها التحتية، كما تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ناهيك عن الهاجس الأمني والملاحقات التي تثير الرعب في النفوس السوريين الخائفين من بطش النظام.
ويجد خبراء أنه رغم الضغوط الهائلة التي يعاني منها المجتمع اللبناني بسبب الانهيار أولًا، الذي تسببت به السلطة وتحاول تحميله للاجئين السوريين، فالحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو جانبيًا. وإذا كانت خطة العودة الطوعية ضرورة بصيغة مختلفة، قد يصعب تحقيقها ونجاحها وتفادي تداعياتها الكارثية على البلدين، إذا لم تقرن بحل سياسي عربي ودولي شامل بعد 12 عامًا من حرب لم تتوقف، مع مراقبة أممية، لسلوك نظام لا "يتوب" ولا يعتذر عن كل جرائمه التاريخية بحق الشعب السوري، واللبناني أيضًا.
من ناحية أخرى،
مرّ أسبوعان على انتشار الكلام المصوَّر الشهير لمحافظ بعلبك بشير خضر، والذي تحدث فيه عن مداخيل النازحين التي باتت أفضل من راتبه كموظف فئة أولى، قبل أن يطلق خضر قبل ساعات، انتقادات جديدة لعمل المنظمات والهيئات الداعمة للنازحين، كاشفاً هذه المرة أنها تمنع المساعدات عن موظفي القطاع العام.
روايات المحافظ
في قالب من الرواية، التي قال أنه ألّفها بنفسه، تطرّق خضر مجدداً إلى الواقع المعيشي لموظفي القطاع العام، فروى "مأساة صالح الذي أوكله كريم توزيع طعام إفطار يومياً على المحتاجين، فكانت "أنجو" تعد الوجبات التي احتوت في يومها الأول الحساء والفتوش ومنسف مع لحم الخروف الشهي تزيّنه القلوبات، وطبعاً لم تنسَ أنجو إضافة الحلويات إلى الوجبة.. وكما في اليوم الأول كذلك في كل يوم، كان صالح يحمل الوجبات للعائلات الفقيرة التي تمّ اختيارها ويتحسّر على حاله، فلا يحقّ له أن يحصل على وجبة إفطار من الوجبات التي يقوم بتوزيعها بكل أمانة، فهو لا يستحقها لأن لديه وظيفة براتب يوازي الحد الأدنى للأجور البالغ 675 ألف ليرة، أي ستة دولارات شهرياً، وبإمكانه أن يعيل نفسه وعائلته بنظر السيد كريم، فيما أنجو تحصل على راتب شهري بالدولار الفريش، إضافة لإقامتها المجانية في منزل السيد كريم التي تتضمن المأكل والملبس والتأمين الصحي.."، ليعود خضر ويقول بأن الرواية ليست من نسج الخيال "بل إن شخصياتها حقيقيون، كما أن أحداثها تحصل أمام عينيّ كل يوم. فالمنظمات تطلب مني الموافقة والتعاون معها لتنفيذ مشاريعها الخيرية، وفي كل مرة أطلب تقديم المساعدة لموظفي هذه البلديات أسوة بباقي المحتاجين، يأتي الجواب بالرفض لأنّ الجهات المانحة تمنع المنظّمات والجمعيات من تقديم أي مساعدة لموظفي القطاع العام".
"النازح" والعامل
وخضر ليس سوى الجناح الأول لهذه الحملة التي ارتبطت ببشيرين في محافظة بعلبك. فكانت الضربة الثانية هذا الأسبوع أيضاً لبشير مطر، رئيس بلدية القاع، الذي عقد اجتماعاً مع وكلاء ورش 72 مخيماً من مخيمات النازحين والعمال السوريين في سهل ومشاريع القاع، قيل أن هدفه تنظيم اليد العاملة السورية. وعلى رغم "تلغيم" اللقاء بمواقف إنسانية، كمنع عمالة الأطفال الذين لا يتخطون 16 سنة، وعدم السماح باقتطاع أي جزء أو نسب من حقوق العمال من قبل وكلاء الورش، فهو شكل امتداداً للحملة التي بدأها مطر، للحد من تحركات النازحين في بلدته، ولإسقاط صفة النازح عن العامل السوري. وقد طالب مطر أيضاً بمراقبة أعمال المنظمات في البلدة، ذلك بعد أن كان قد حذّر إثر العاصفة الهوائية التي ألحقت أضراراً بقسم من المحاصيل الزراعية في القاع بأنه "إذا لم يتلقَّ الأهالي مساعدات وتعويضات من قبل المعنيين المحليين والدوليين، فلن يُسمح بدخول أي مساعدة للنازحين السوريين داخل مخيّمات البلدة".
في الشكل إذاً هي حملة على "لاعدالة" المنظمات والهيئات المانحة في التعامل مع اللبنانيين أسوة بالنازحين السوريين. وتشكّل حلقة من ضمن سلسلة حملات سابقة شنت على المستوى المركزي، ولا سيما خلال التطرق إلى حقوق أساتذة التعليم الرسمي، الذي لوح وزير التربية بأنه لن يكون التعلّم متاحاً للأطفال السوريين إذا لم يتأمن للتلاميذ اللبنانيين، لتتطور في الأيام الماضية إلى موقف نُقل عن وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار، الذي قيل أنه رفض دولرة المساعدات المقدمة للنازح السوري، تجنباً كما ذكر لأن تصبح أحواله المعيشية أفضل من اللبناني (راجع "المدن").
"حسد" وتسوّل
وقد ترافقت هذه المواقف مع أخبار وتغطيات إعلامية تضيء على هذا التفوق في مستوى معيشة النازحين، حيث تحدث البعض عن استعانة لبنانيين ببطاقات تغطية صحية للنازحين السوريين من قبل الهيئات المانحة، أو شرائهم بطاقات التغذية المقدمة للنازحين "بعد أن فاضت على هؤلاء المساعدات"، كما ذُكر.
أخبار وروايات تشيح النظر عن العمق الحقيقي للأزمة، والتي وضعت اللبناني في موقع يحسد فيه النازح المقيم بضيافته تحت شادر، على مساعدات إنسانية مخصصة له. وهذا ما يضع الطبقة السياسية على مختلف مستوياتها، في موقع تحريض اللبنانيين، عبر إيهامهم بأن أساس مشكلتهم هي في حجم النزوح السوري الذي يتم الإيحاء بأنه يأخذ المساعدات من أمامهم، بينما المشكلة في الواقع هي في هذه الطبقة التي لم تحسن إدارة شؤون البلاد، فحوّلت كل سكانها، من لبنانيين وغير لبنانيين، إلى متسوّلين.
يكشف التمعن بهذه المواقف في المقابل، عجز سلطة تحاول أن تمتطي صرخة محافظ متألم مع كل موظفي القطاع العام، لتعزز موقع تفاوضها مع الجهات المانحة. بينما هي تعلم، بأن هذا التفاوض ليس الحل للأزمة الاقتصادية التي يعانيها اللبنانيون عموماً، كما أنه لن يؤدي بالضرورة إلى عودة السوريين إلى بلادهم. ما يجعل النتيجة الوحيدة الظاهرة لهذه الحملات حتى الآن، تأجيج المشاعر العنصرية ، حتى لو لم يكن لدى من حملوا لواء انتقاد المنظمات المانحة على حرمان المجتمعات المحلية من مساعداتها، نيات مبيتة بذلك كما أكدوا.
العنصرية مجدداً
في الأيام الماضية تظهّرت بوضوح هذه العنصرية الكامنة في النفوس، والتي تبين أنها لن تحتاج إلى جهد كبير لإيقاظها. ومع أن المواقف الصريحة للبشيرين حاولت التملص من تهمة العنصرية، فإن كلامهما الذي حولهما إلى الشخصيتين الأكثر شعبوية لدى فئات لبنانية مختلفة، كشف حالة من الغليان تعيشها المجتمعات المضيفة للنازحين خصوصاً، ولكن خطورتها تكمن في المحاولات التي جرت لخلق أجواء أمنية حولها، نشرت شائعات عن محاولات للتسلّح في بعض المخيمات، وتولت نشرها أبواق إعلامية، ضخّم بعضها حوادث فردية وحتى عائلية ليظهرها كتعدٍ على الأمن القومي!
فالحملة على المنظمات على المستوى الرسمي، تحولّت في الشارع غضباً على النازحين السوريين. والغضب لا بد أن يواجه بشعور مشابه. فيما أصحاب المقاربة المختلفة لهذا الملف وضعوا في موقع الدفاع عن النفس، بعدما صارت "مثالية هؤلاء" كما وصفوا، تهمة تعرضهم للتنمر.
هذا في وقت يعلم معظم اللبنانيين بأن تطبيق قاعدة "الجوع المتساوي" على الجميع التي يريدها مثيرو الحملات ضد المنظمات الداعمة للنازحين السوريين، لا تعني بأن أحوالهم العيشية ستتحسّن. لا بل أن الاستغلال المتواصل للأحوال الشخصية لبعض النازحين وتعدد زيجاتهم وولاداتهم، لن يقود سوى إلى نظرة دونية تجاههم، من شأنها أن ترفع حواجز نفسية تصعب تصويب العلاقات، حتى المصلحية، بين الشعبين. فسواء أقر اللبنانيون أم لم يقروا بذلك، حاجتهم للعمالة السورية ليست ترفاً، في الأراضي الزراعية أو في المشاريع الإنشائية، أو حتى في بعض المهمات البلدية. وخصوصاً في المجتمعات التي يثيرون فيها الحملات على الهيئات المانحة. بينما عودة النازحين إلى بلادهم، لا تعني أن اللبنانيين سينعمون بأموال الدول التي تجمع لمصلحة النازحين السوريين. بل من شأن هذه الإنفعالية في التعاطي مع الملف، أن تحرم ولو أقلية من الشباب اللبنانيين، من مصادر دخل محترمة لا تزال تتأمن من خلال وظائف حصلوا عليها مع هذه المنظمات، وسمحت لهم بتأسيس عائلاتهم وإقتناء منازلهم وسياراتهم.
لا شك بالمقابل أن لبنان صار بلداً متعباً فعلاً، والنزوح السوري زاد من أعبائه. ولكن النازح السوري ضحية مثله مثل اللبناني. لا بل مأساته مزدوجة، أولاً بسبب إضطراره للهرب من بلاده، ومن ثم بسبب إضطراره للعيش في بيئة لم تعد ترحب به. وإذا كان في استمرار وجوده في لبنان ما يفاقم من حالة الفوضى التي عمت في كل مفاصل البلاد، فذلك لأن أحداً لم يجرؤ على الإمساك الجدي بالملف وتنظيمه لا في بدايات النزوح ولا حتى بظل الأزمة المستشرية. فأصبح الانتشار العشوائي للمخيمات، ولأعداد السوريين المتزايدة، وحتى لأعداد من لا يزالون يدخلون الأراضي اللبنانية ويغادرونها خلسة، إنعكاساً لفشل طبقة سياسية، تورط جزء منها أيضاً بحرب سوريا، ما جعلها شريكة في دفع المزيد من النازحين إلى خارج بلادهم.
قد لا يكون الوقت حالياً مناسباً لتصفية الحسابات، وخصوصاً في ملف النزوح الضاغط على اللبنانيين، والمطلوب تقديم الأصوات العاقلة على تلك التي تؤجج المشاعر الغرائزية، لتصويب بوصلة المواجهة التي يجب أن تخاض بوجه من تسببوا بكل هذه الأزمات، قبل تفجير العنصريات بوجه نتائج الفشل والتقصير في إدارة كل الملفات، ومن بينها ملف النزوح السوري.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|