محليات

البحر المتوسط من فراشة زرقاء إلى مقبرة للفقراء

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد البحر الأبيض المتوسط، ذلك المسرح الساحر المتعدّد الثقافات، الذي ألفه أهله منذ القدم. وعاشوا على ضفتيه الجنوبية والشمالية في السفر الرومانسي والتبادل الثقافي والحضاري، من الساحل السوري اللبناني والإسكندرية وقرطاج وطنجة نحو سواحل إيطاليا، وفرنسا، واليونان، وإسبانيا.

شكل البحر الأبيض المتوسط عبر التاريخ لغزا لأبناء الضفة الشمالية، الذين كانوا يغامرون بعبوره نحو الشرق للتجارة والسفر وحب استكشاف الآخر. وحفل الأدب الرومانسي بقصص الفرسان والبطولات والسفن، التي كانت تبحر من الموانئ الأوروبية باتجاه الضفة الأخرى، نحو الإسكندرية، إسطنبول، طنجة، قرطاج، وبيروت. إلا أن القرن الأخير شهد تحولات سلبية، بسبب الحروب، وتطور المصالح ذات الطبيعة الاستعمارية. وصار الماضي التاريخي المشترك عبئاً على الأطراف المتشاطئة التي بحثت خلال العقود الأخيرة عن مشتركات، ولكنها فشلت في ذلك بسبب محاولات تغيير الهويات والخرائط.

كان المتوسط فراشة زرقاء تنتقل على مدى واسع. الأمواج التي تصطدم بالصخور هي الموسيقى التصويرية لقصص حياة البشر على الضفتين. ثم صار مقبرة مفتوحة للمغامرين الفقراء الذين يسافرون بهويات ممزقة هاربين من أوطان مفقودة، بعد أن باتو يعيشون على الأطلال القديمة، بين مجد الماضي وخراب الحاضر، الذي لا يعترف بهم ولا يعرف الاستقرار.

أصبح عالم البحر الأبيض المتوسط مجموعة من التناقضات وعدم التوافق، على النقيض منه، حينما كان شبكة للتجارة والاتصالات ومصدراً للإلهام ومثالا للفن وإثراء الحياة، ومجالاً مفتوحاً للسفر نحو المياه البعيدة العذراء والمحيطات الأخرى، حيث الاكتشافات الكبرى، التي ولدت منها الحضارة الجديدة في أميركا، وما جاورها من جغرافيات كانت نائمة في أعماق الغابة.

يبدأ سحر عالم البحر الأبيض المتوسط من حاستي البصر والشم، لقاء الأزرق بالعطر المتوسطي، رائحة اشجار الفاكهة، التي تليق بجنة عدن. غابات مثالية من الزيتون، البرتقال، الليمون، والرمان. تلال مغطاة بالكروم وأشجار اللوز. عطور بساتين البرتقال تصل من البعيد نحو القادم الى صور او تونس أو طنجة، تنادي الواصلين على ظهر السفن، حينما يكون البحر صافياً والطقس ربيعاً. روائح لا تبرح، تدخل في كل تكوين، في الطعام والشراب، في الدواء والمتع، إكليل الجبل اللاذع، الريحان، الزعتر.

سحر الحدائق والبساتين، جمال القصور الجدارية، المساجد الواسعة ذات السكينة الروحية الآسرة، الكنائس الرخامية. جاذبية النساء، شوارع متشابكة. جمال الطبيعة والفن. تشابك طبوغرافي لا يمكن اختراقه، في بعديه الحقيقي والرمزي. طالما كان من الممكن رسم الأشياء بالألوان أو الكلمات، فإن لا سبيل للخروج من التشابك التلقائي سوى التفاهم الثقافي، وليس شرطة الحدود. من الممكن ألا ننظر إلى البحر الأبيض المتوسط بتاريخه المشترك المديد، إلا أن ثقافة هذا الفضاء المفتوح بقدر ما هي أوروبية، كذلك عربية إسلامية. غنية بكل استعارات النور والتنوير.

كان ممر لقاء وتفاعل وتفاهم ومجالاً للتراث المشترك ونقل المعارف والخبرات، وصار بحراً ملعونا. تحول في العقد الأخير إلى مقبرة تبتلع اللاجئين الذين يهربون من الجنوب نحو الشمال، بسبب الفقر والحروب.


بدأت الكوارث حينما صار المتوسط مكباً للنفايات، وبات ملوثاً غير صالح لاستجمام البشر من اللاذقية إلى بيروت، فالإسكندرية وطرابلس وتونس وحتى الجزائر، تراجعت المدينة البحرية تدريجيا، صارت الشواطئ مفتوحة أمام الصرف الصحي، غابت المسابح والمقاهي البحرية، ومن ثم بدأت روائح جثث الغارقين تطوف الشواطئ.

بعض أهل المتوسط يسمسرون عليه. الإفلاس قادهم إلى امتهان حياة البشر، دول وعصابات تتاجر بالفقراء، الذين يهربون من الجحيم. أطفال، نساء، شيوخ تتلاعب بمصائرهم وتتاجر بشقائهم مافيات المهربين، التي ترميهم نحو المجهول من دون أي ضمانة ببلوغ الحلم الأوروبي بالنجاة.

البشرية التي تنشغل اليوم بالذكاء الاصطناعي، لا ترى الكارثة الكونية التي تتمثل في ملايين من اللاجئين الذي يهربون من بلدانهم، حتى لو كلفهم ذلك الموت. الأمر يتجاوز حس المسؤولية إلى الأخلاق. كيف نفسر زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فوندر لاين إلى تونس، ترافقها رئيسة الحكومة الإيطالية زعيمة الحزب الفاشي، وتوقيع "اتفاقية شراكة" مع الرئيس قيس سعيد ومنحه 1،1 مليار يورو من أجل محاربة الهجرة الشرعية. لا يمكن رؤية هذه المنحة السخية بمعزل عن الممارسات المشينة التي يقوم بها سعيد منذ عدة أشهر ضد اللاجئين الأفارقة الى تونس، الذين يتعرضون إلى حملة طرد جماعية من تونس، وتفيد شهادات منظمات حقوقية دولية انه جرى رمي العشرات في مناطق صحراوية بين تونس وليبيا. ولن يجد هؤلاء سوى مافيات تهريب البشر التي تنشط بقوة في ليبيا. وتتولى عمليات التهريب عبر المتوسط بواسطة قوارب متهالكة يغرق أغلبها.

الأرقام عن ضحايا عبور البحر الأبيض المتوسط في ارتفاع. لا يكاد يمر يوم من دون حوادث غرق لمراكب تحاول أن تعبر إلى الضفة الشمالية. ومع مرور الوقت يتناقص عدد المراكب التي تصل إلى البر الأوروبي، أو تلك التي تنقذها منظمات إنسانية. وسبب ذلك الحرب الشرسة التي تخوضها دول الشمال للحيلولة دون نجاح اللاجئين في الاقتراب من شواطئها، منها من يستخدم وسائل تمويه مثل إيطاليا، والبعض الآخر يطلق الرصاص ويغرق المراكب، وقد تكرر هذا مع اليونان التي اغرقت في 14 حزيران الماضي سفينة على متنها أكثر من 750 لاجئاً من باكستان، سوريا، افغانستان، لم ينج منهم أكثر من مئة شخص.

من خلال التأمل في الأرقام الخاصة باللاجئين من جنوب المتوسط خلال العامين الأخيرين، يمكن تسجيل عدة ملاحظات مهمة. الأولى هي أن الأعداد في تزايد رغم تطور وسائل مكافحة الهجرة. والثانية هي ارتفاع أعداد الضحايا. والثالثة هي أن عدد الذين يتعرضون للغرق يعادل عدد الذين يحالفهم الحظ بالوصول إلى البر الأوروبي. والرابعة هي عدم اكتراث الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بوضع ضوابط للجوء مثل تمكين اللاجئين من البقاء في بلدانهم، عن طريق الضغط على الحكومات من اجل الديموقراطية وحقوق الانسان وإقامة مشاريع اقتصادية كفيلة بتطوير اقتصادات البلدان التي تشكل مصادر لتدفق اللاجئين.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا