محليات

عن حفلة الجنون اللبنانية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ربما آن الأوان لدرس فكرة تأسيس هيئة او منظمة وطنية، ذات طابع ثقافي أكاديمي، تضم مجموعة من كبار الباحثين اللبنانيين، وتجري دراسات علمية حول مؤشرات السلم الاهلي في لبنان، وتصدر تقارير سنوية او فصلية او حتى شهرية، فتكون  بمثابة جهاز رصد لأعمال العنف اللفظي والمادي، وما إذا يجوز إدراجها في سياق الحرب الاهلية الكامنة، أو يمكن الاكتفاء بوضعها في إطارها الصحيح باعتبارها أعمال عنف مجردة من أي خلفيات طائفية او مذهبية.

هذه الفكرة لا تعزى الى معركة مخيم عين الحلوة ولا الى حادثة بلدة الكحالة. ففي الحالتين كان هناك تنشيط مفتعل لذاكرة الحرب الاهلية، وإستثمار متسرع لعنصرين من عناصر تلك الذاكرة المشوهة، العنصر الفلسطيني المؤثر، والعنصر الطائفي الحاسم، فضلا عن الجغرافيا التي تضع المخيم من جهة، والبلدة الواقعة على خط تماس تاريخي، في مسار واحد فَقَد منطقه منذ نحو خمسين عاماً، بحيث يستحيل إقامة أي رابط بينهما. في المخيم جرت معركة طاحنة لم يعرف أحد حتى الآن لماذا بدأت ولا كيف إنتهت. وفي الكحالة، لا يمكن نسبة ما جرى الى صراع طائفي، بين مسلمين ومسيحيين، او بين شيعة ومسيحيين، لاسيما بعدما تبين أن الاشتباك كان بين مقاومين وبين ممانعين، او بالاحرى بين أعضاء "حلف الاقليات" نفسه.. ومن دون حتى أي توظيف سياسي.

لكن على هوامش هذين الحدثين العرضيين، اللذين يمكن ان يتكررا في أي لحظة وفي غير مكان، سالت أفكار وآراء كثيرة، تسلط الضوء على السلاح الفلسطيني واللبناني، والحاجة الدائمة الى ضبطهما، في إطار مشروع دولة لم تولد، لا في لبنان ولا في فلسطين طبعا، وتبني على ما أظهرته شاشات التلفزيون وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من مواقف وصرخات واحتجاجات، صورة مصطنعة للرأي العام اللبناني، والفلسطيني، ونوازعه الراهنة، التي لا تقع الحرب الاهلية من ضمنها أبداً، ولا تحتمل حتى إحياء ذاكرة تلك الحرب بأي شكل من الاشكال..فكيف الامر  باستئناف وقائعها ومشاهدها الهمجية.

لا أحد يريد العودة الى هناك، لا اليوم ولا غدا. لكن الجميع بات يبدي قدراً من التساهل مع تلك الذاكرة، ليس بهدف الاعتراف بها من أجل الخلاص منها والشِفاء من صورها، بل من أجل البناء عليها للوصول الى ترسيم جديد، للحدود الفاصلة بين الطوائف والمذاهب، ومناطق انتشار كل منها على امتداد الجغرافيا اللبنانية. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن فكرة التعايش الطائفي، أو المساكنة المتنوعة، تراجعت في الاونة الاخيرة الى مستويات غير مألوفة منذ انتهاء الحرب وفيضان الاجيال الشابة على بعضها البعض لتسجل إختلاطاً لم يسبق به مثيل منذ قيام لبنان الكبير.        

وإذا كان للمؤشر المرتجى أن يصدر تقريره الآن فإن عنوانه الرئيسي وخلاصته الاولى ستكون بصراحة ودقة متناهية، هي أن الجمهور المسيحي يعبر عن ضيق متزايد من ذلك التعايش ويأس متفاقم من إمكان ترميم عملية الاختلاط. وهو ما يعبر عن نفسه بطروحات الفيدرالية واللامركزية و"الصندوق السيادي" لتقاسم أملاك الدولة، والتي لا يفهمها المواطن المسيحي العادي سوى خطوة مرغوبة نحو التقسيم، ولا يعتبرها المواطن المسلم العادي سوى خطوة مستغربة نحو الطلاق النهائي. والاسوأ من ذلك أن هذه الخيارات باتت تشكل جوهر وغاية عملية البحث عن بناء الدولة وسد فراغ المؤسسات.

الفراق يحصل الآن، أمام أعين الجميع، وهو يضع البلد ما بين الحرب الاهلية المحرمة والمحظورة والمكروهة، وبين السلم الاهلي الذي لم يعد له أي مبرر وطني مقنع ، ولا يستند الى أي مصلحة مفيدة. إرادة العيش المشترك تضعف بلا أدنى شك. والسبب، يتجاوز واقع غياب الدولة الجامعة والمؤسسات الحاضنة والرموز والروابط الشرعية القادرة على إحياء فكرة المواطنة اللبنانية الناجزة.

المؤشر المقترح للسلم الاهلي، يمكن أن يكون أيضا جرس إنذار بان ثمة حاجة الى وقف حفلة الجنون الراهنة.     

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا