سوريا ولبنان وتشابه المسار: عهد عربي جديد تهدده إسرائيل
وكأن لبنان وسوريا يعودان إلى تلازم المسارات. ليس التلازم هنا مشابهاً لما كان عليه عندما ولدت معادلة "وحدة المسار والمصير" أيام الرئيس حافظ الأسد، والذي نجح بفرضها على اللبنانيين. ولدت تلك المعادلة يومها، في ظل تحديات كبيرة للبنان الدولة لبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولإدخال الجيش اللبناني إلى الجنوب في العام 1993، وكان ذلك ضمن مسار عام في المنطقة، غايته التفاوض مع إسرائيل وفق نظرية "الأرض مقابل السلام". في حينها فرض الأسد على لبنان أن يكون ملحقاً بالمسار السوري، وأن لا يذهب إلى أي اتفاق سلام طالما أن سوريا لم تذهب إليه. حالياً، تبدو المعادلة معكوسة، بحكم المتغيرات التي حصلت والانهيارات التي أصيب بها البلدان. ومن المفارقات، هو التزامن بين بدء جلسات نيل حكومة نواف سلام الثقة في البرلمان، وافتتاح الرئيس السوري أحمد الشرع لمؤتمر الحوار الوطني. فجلسات الثقة تمثل الانطلاقة الفعلية لعهد "جوزاف عون ونواف سلام". أما الحوار السوري فهو المرحلة الفعلية للدخول إلى حقبة دستورية مرحلية ستنتج عنها حكومة جديدة لإدارة المرحلة المقبلة تحضيراً لإعداد دستور جديد.
بعد 30 سنة
يواجه البلدان تحديات كثيرة. مع التشابه في الظروف والاستحقاقات وحتى في مضامين الخطاب والتوجهات. بدا البيان الوزاري الذي تلاه نواف سلام أمام البرلمان وكأنه مؤجل منذ أكثر من 30 سنة. هو البيان الذي كان يُفترض أن يُتلى من قبل أول حكومة شُكلت بعد اتفاق الطائف، إذ ينص بوضوح حول حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، التي من واجبها بسط سيطرتها على كامل أراضيها وخصوصاً في الجنوب. وهو البيان الذي كان يُفترض أن يلتزم بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، مع ما يقتضيه ذلك من إصلاحات قضائية وإدارية ومالية، بالإضافة إلى الإصلاحات السياسية المتصلة بقوانين الانتخاب واللامركزية وغيرها. ما تلاه سلام كان يتمنى كثر من رؤساء الحكومات تلاوته، إلا أن الظروف والوقائع لاءمت مرحلته، علماً أن العبرة تبقى في التنفيذ وفي استمرارية المسار.
عون والشرع
ما أعلنه الشرع في افتتاح مؤتمر الحوار، يشبه إلى حدود بعيدة ما هو مطروح لبنانياً، في مضمون خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكد أن لبنان سئم حروب الآخرين على أرضه، وأنه يلتزم مقررات جامعة الدولة العربية. موقف عون في غاية الوضوح لا سيما أنه أُبلغ لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ما يعني أن طهران هي المعنية بشكل مباشر بهذا الردّ، ولا سيما أن لبنان كان طوال السنوات الماضية عرضة لتجاذبات سياسية، ولشروط وضغوط عربية حول ضرورة عودته إلى "الحضن العربي" أو الالتزام بالموقف العربي وعدم الخروج عن هذا المناخ. ذلك أيضاً ما يؤكده الشرع بدءً من إجراءات تتصل بوضع الإيرانيين في سوريا وعدم السماح لهم بالدخول، أي الانتقال إلى ما يشبه القطيعة مع طهران، وتأكيده بأن سوريا لن تكون منطلقاً لأي تهديدات لأي دولة أخرى، ولن تكون ساحة للحروب. كذلك يتطابق كلام الشرع مع كلام عون وسلام حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وكلامه عن العيش المشترك، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
بالاستناد إلى مضامين الخطابات والمواقف، يظهر بوضوح مدى التلازم، وكأن هناك يداً خفية هي التي ترسم الملامح، بقوة دفع إقليمي دولي، لكن ذلك لا يخفي حجم المخاطر أو التحديات. فالبلدان يواجهان مخاطر كبيرة، أولها المشروع الإسرائيلي الذي لا يزال يصرّ على الاحتلال والتوسع والتدخل الأمني والعسكري، مع إمكانية انتقال هذا التدخل إلى فرض شروط سياسية أو زرع بذور لمشاكل داخلية كبرى، على خلفيات طائفية أو مذهبية أو قومية. كذلك هناك التحديات والمخاطر الداخلية، على المستوى السياسي والمستويات الاقتصادية والمالية، وما يتصل بكيفية إعادة بناء المؤسسات وسد الشواغر فيها. علماً أنه في البلدين سيكون هناك مواجهة فعلية مع مراكز قوى متعددة داخل "الدولة العميقة".
العهد الجديد في البلدين
الآلية التي يعمل وفقها العهد الجديد في لبنان، يُراد لها أن تمثل قطعاً مع المرحلة الماضية، وهو ما سيحاول الرئيسان فرضه في آلية التعيينات التي ستعتمد. كذلك فإن الآلية التي ستعتمد في سوريا يُراد لها أيضاً القطع مع "بنية ومرتكزات" النظام القديم، وهذا سيضع الجانبين في مواجهة حقيقية وجدّية داخل البنى المؤسساتية والوجهة العام للدولة وديناميكية عملها.
في لبنان، هناك قوى عديدة ستشعر بأنها مهددة النفوذ، أو أن نفوذها قابل للانقباض، لا سيما في حال برزت نوايا واضحة لدى الرئيسين لخوض الانتخابات النيابية عبر تحالفات مع قوى مدنية وتغييرية، لتوسيع هامش كتلة التغييرين داخل البرلمان.
في سوريا، أيضاً هناك قوى وجهات متعددة ستجد نفسها مهددة النفوذ، وسط اختلاف واضح في الآراء والتوجهات، لا سيما في ظل التدخلات الإسرائيلية في الجنوب ومحاولة خلق فتنة وأزمة بين الدروز والدولة السورية، وكذلك بالنسبة إلى أي محاولة لخلق شقاق وصراع بين الأكراد والدولة المركزية، وبين العلويين والسنّة.
العلاقة بين سوريا ولبنان
لم يكن من السهل والبسيط أن يمنح حزب الله الثقة لحكومة نواف سلام، على الرغم من كل الظروف والتطورات القائمة، ولا سيما أن سلام كما رئيس الجمهورية يتحدثان بوضوح عن حصر السلاح بيد الدولة، وأن الدولة هي التي تمتلك قرار الحرب والسلم. يشير ذلك إلى تحول عميق بالتأكيد أن حزب الله يتعاطى معه بواقعية وفق ما يظهر حتى الآن منذ لحظة انتخاب الرئيس إلى منح الحكومة الثقة، على الرغم من القرارات التي اتخذت مؤخراً حول الطائرات الإيرانية والتظاهرات التي حصلت على طريق المطار. ليس من السهل بالتأكيد أن تعبر سوريا إلى حكومة جديدة تضم مختلف المكونات وتنطلق إلى مرحلة جديدة من الحياة السياسية السورية وسط كل التحديات والمواجهات القائمة. كل ما جرى يشير إلى أن البلدين دخلا في مرحلة جديدة، لكن التركيز يبقى في معرفة ملامح ما سيليها وكيف يمكن تحقيق ما تريده السلطتان.
إلى جانب التحديات الداخلية والخارجية لكل دولة. هناك تحديات او استحقاقات على مستوى العلاقة بين البلدين. منها ملف ترسيم الحدود، ووقف التهريب، وملف إعادة اللاجئين السوريين، وإيجاد حل لمشكلة الودائع السورية في المصارف اللبنانية، وإطلاق سراح الكثير من المعتقلين السوريين من السجون اللبنانية، مقابل الكشف عن مصير الكثير من المفقودين أو المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وصولاً إلى إعادة النظر في كل الاتفاقيات القديمة، والبحث في اتفاقيات جديدة أيضاً. هذه كلها ملفات ستكون حاضرة في المرحلة المقبلة، وسط تحضير واستعداد للدخول في وساطات من قبل دول عربية عديدة للمساعدة على معالجة كل هذه الملفات.
منير الربيع -المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|