اقتراح قانون الانتخابات النيابية في لبنان.. محاولة إصلاحية أم خطوة للسيطرة؟
منذ إقرار قانون الانتخابات الحالي في لبنان عام 2017، الذي اعتمد النظام النسبي مع صوت تفضيلي واحد، لم تتوقف النقاشات حول مدى فعاليته في تحقيق تمثيل عادل ومتوازن لمختلف المكونات السياسية والطائفية. هذا القانون، الذي طُبق في انتخابات 2018 و2022، جاء نتيجة توافق سياسي هشّ، لكنه سرعان ما تعرّض لانتقادات واسعة بسبب نتائجه التي عززت هيمنة الأحزاب الكبرى وكرّست الانقسامات الطائفية والمناطقية. في هذا السياق، عاد الجدل الانتخابي إلى الواجهة مجددًا بعد اقتراح رئيس مجلس النواب نبيه بري تعديلًا أساسيًا في القانون، يتمثل في زيادة عدد الأصوات التفضيلية من صوت واحد إلى صوتين، وهو ما أثار مخاوف كبرى لدى العديد من القوى السياسية، التي اعتبرته محاولة واضحة “لابتلاع المجلس النيابي” وضمان سيطرة الثنائي الشيعي، لا سيما في الدوائر التي شهدت اختراقات من قبل المعارضة والمستقلين في الانتخابات الأخيرة.
يرى المعارضون أن تعديل القانون بهذه الطريقة سيسمح للأحزاب الكبرى، وعلى رأسها حركة أمل وحزب الله، بإحكام قبضتها على نتائج الانتخابات، حيث سيتمكن الناخبون من توزيع أصواتهم التفضيلية بطريقة تعزز فوز المرشحين المدعومين من هذه الأحزاب، مما يُضعف أي فرصة أمام المرشحين المستقلين أو المعارضين. وهذا يعني أن المناطق التي شهدت بعض الاختراقات الانتخابية، مثل بعلبك - الهرمل، الجنوب، البقاع الغربي، وبيروت، ستكون الأكثر تأثرًا بهذا التعديل. ففي بعلبك - الهرمل، وهي الدائرة التي تُعتبر أحد معاقل حزب الله وحركة أمل، ورغم النفوذ القوي للثنائي الشيعي هناك، إلا أن الانتخابات السابقة أظهرت بوادر خرق نسبي من قبل بعض القوى السنية والمسيحية المستقلة، ما شكّل تحديًا للهيمنة التقليدية. لكن مع إقرار نظام الصوتين التفضيليين، سيكون من السهل على الناخبين المؤيدين للثنائي إعادة توزيع أصواتهم بطريقة تضمن فوز جميع مرشحيه، مما يُنهي أي إمكانية لأي خرق انتخابي في المستقبل.
الأمر ذاته ينطبق على الجنوب، حيث تُعدّ دوائر صور - الزهراني، النبطية، بنت جبيل، ومرجعيون - حاصبيا من أبرز معاقل الثنائي الشيعي، إلا أن بعض القوى المستقلة والمجتمع المدني حاولت تحقيق اختراقات، خصوصًا في القرى المختلطة. لكن مع اعتماد صوتين تفضيليين، سيتمكن الثنائي من توزيع الأصوات بطريقة تُقصي أي مرشح منافس وتضمن الفوز لكل مرشحيه بسهولة أكبر. في البقاع الغربي وراشيا، حيث تبرز تركيبة طائفية متنوعة تشمل السنة والدروز والشيعة والمسيحيين، قد يؤدي التعديل الجديد إلى تعزيز قدرة الأحزاب الكبرى على إعادة توزيع الأصوات التفضيلية بطريقة تضعف حظوظ المستقلين، خصوصًا مع احتمال إعادة ترتيب التحالفات الانتخابية وفقًا لهذه الآلية الجديدة.
أما في بيروت، وتحديدًا في الدائرة الأولى التي تشمل الأشرفية، الرميل، المدور، والصيفي، فالصوت التفضيلي الفردي كان يلعب دورًا أساسيًا في تحديد الفائزين، لكن مع منح الناخبين صوتين تفضيليين، قد تتغير الديناميكيات الانتخابية لصالح الأحزاب الكبرى مثل التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، مما يحدّ من فرص المرشحين المستقلين الذين استفادوا سابقًا من تفتيت الأصوات.
في مقابل هذه المخاوف، يدافع نبيه بري عن هذا التعديل بحجة أنه يمنح الناخب مزيدًا من الحرية في اختيار مرشحيه، ويؤدي إلى تمثيل أكثر عدالة عبر تمكين الناخبين من التصويت لمرشحين من طوائف مختلفة أو تيارات سياسية متعددة داخل اللائحة نفسها. لكنه في الواقع، ووفقًا للمعارضين، قد يتحوّل إلى وسيلة تتيح للأحزاب الكبرى إعادة هندسة الانتخابات بما يضمن استمرار سيطرتها. القوى السياسية المعارضة، مثل القوات اللبنانية، الكتائب، التيار الوطني الحر، وبعض المستقلين، ترى أن هذا التعديل يخدم فقط مصلحة الثنائي الشيعي وحلفائه، ويكرّس احتكار الأحزاب الكبرى للسلطة، مما يجعل الانتخابات المقبلة شكلية من دون أي إمكانية حقيقية للتغيير السياسي. حتى الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي يحاول دائمًا الموازنة بين تحالفاته، يبدي مخاوف من أن يؤدي هذا التعديل إلى تقليص قدرته على المناورة السياسية، خصوصًا في المناطق المختلطة حيث يعتمد على تحالفات دقيقة للحفاظ على تمثيله.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، يبدو أن الساحة السياسية اللبنانية مقبلة على مواجهة جديدة حول قانون الانتخابات، إذ من المتوقع أن يواجه هذا التعديل معارضة شرسة من القوى التي تخشى أن يتحوّل إلى أداة إضافية لتكريس سيطرة الأحزاب التقليدية. ومع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، فإن هذا الجدل قد يُفاقم الانقسام السياسي في لبنان، خصوصًا إذا لم يتم التوصل إلى توافق وطني واسع حول آلية إصلاح النظام الانتخابي بشكل يضمن التمثيل العادل لجميع القوى السياسية، بدلًا من أن يكون وسيلة جديدة لتعزيز قبضة الأحزاب المهيمنة على السلطة
بقلم: عمر رحيمة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|