إقتصاد

حرب ترامب الجمركية.. علاج "مؤلم" للاقتصاد الأمريكي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

صدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسواق الأمريكية والعالمية مساء الأربعاء، 2 أبريل/نيسان، بمخالفته التوقعات والإعلان عن رسوم جمركية على كل الشركاء التجاريين للولايات المتحدة وبنسب تقارب 30%، بعد أن كانت الأسواق توقعت ألا تزيد الرسوم الجمركية على 10%، ما يثير التساؤل عن الدوافع الفعلية لإدارة ترامب للمضي نحو هذه الخطوة.

 الرسوم الجديدة التي ستدخل حيز التطبيق في 9 أبريل/نيسان ترفع الرسوم الجمركية الأمريكية لأعلى مستوياتها منذ أكثر من قرن من الزمن. 

تحولات عبر التاريخ
ومع ذلك فإن الاقتصاد الأمريكي والعالمي تغير جذريًا خلال القرن الماضي، خصوصاً منذ نهاية الحرب الباردة. 

الاقتصاد الأمريكي كان اقتصاد تصدير، وبفائض تجاري كبير، عندما أصدر الكونغرس قانون "سموت وهولي" في يونيو/حزيران 1930، الذي فرض رسوماً جمركية بمتوسط 20% على المستوردات. 

اليوم، الاقتصاد الأمريكي هو اقتصاد استيراد يعتمد بشكل حيوي على العولمة التجارية، أي أن منتجا تستورده الولايات المتحدة هو نتيجة مساهمة العديد من الشركاء التجاريين. 

ردات فعل
أغلب الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مصرون على الرد بإجراءات مختلفة. فالصين مثلاً أعلنت، يوم الجمعة 4 أبريل/نيسان فرض رسوم جمركية بنسبة 34% على المستوردات الأمريكية (وهي النسبة نفسها التي فرضها ترامب) على أن تدخل حيز التطبيق في 10 أبريل/نيسان. 

أسواق الأسهم الأمريكية انخفضت بشكل حاد في اليومين التاليين لإعلان ترامب رسومه الجمركية، وزاد التشاؤم حول إمكانية دخول الاقتصاد الأمريكي لحالة الركود هذا العام، إلا أن أياً من ردود الفعل هذه -في الداخل أو الخارج- ليس مفاجئًا لأي من المراقبين. 

الدوافع الفعلية
التمعن في تفاصيل المشهد الاقتصادي الأمريكي يظهر أن إدارة ترامب تنطلق على الأرجح من اعتبارات تتجاوز تصحيح الميزان التجاري الأمريكي. 

ونافذة الفرصة البالغة أسبوعا واحدا فقط -بين الإعلان عن الرسوم في 2 أبريل/نيسان ودخولها حيز التطبيق في 9 أبريل/نيسان- لا تسمح للإدارة الأمريكية بإطلاق مفاوضات تجارية جدية تؤجل تطبيق الرسوم الجمركية. بمعنى أن الرسوم الجمركية قد تكون مطلوبة للإدارة الأمريكية، على الرغم من تداعياتها السلبية. 

ومن المرجح أن الإدارة الأمريكية تريد الرسوم الجمركية لعاملين اثنين: تغطية عجز الموازنة الفيدرالية، وتخفيض سعر الفائدة الفيدرالي بشكل قسري.

أصل الشرور: الموازنة الفيدرالية 
تعاني الموازنة الفيدرالية الأمريكية من عجز متنام بشكل مزمن. وبلغ هذا العجز 1.8 تريليون دولار للعام المالي 2024، وهذا ما يعادل 6.4% من الناتج المحلي.

والموازنة الفيدرالية للعام 2024 البالغة 6.8 تريليون دولار شملت 881 مليار دولار لسداد فوائد الدين العام الأمريكي، بحسب مكتب الموازنة في الكونغرس "CBO". 

الدين العام الأمريكي بلغ، في مارس/آذار، 36.2 تريليون دولار، وهذا ما يعادل نحو 124% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا أحد أعلى المستويات في التاريخ الأمريكي. 

وتأخذ مشكلة عجز الموازنة وتنامي الدين العام أهمية خاصة بالنسبة للرئيس دونالد ترامب الذي برز سياسياً بصفته حاملاً راية تخفيض الضرائب. 

في 2017، خفض ترامب ضرائب أرباح الشركات من 35% إلى 21%. وصلاحية هذه التخفيضات ستنتهي مع نهاية 2025. 

وهناك ضغوط على ترامب لتمرير تشريع يمدد هذه التخفيضات لعدة سنوات أخرى. كما كان ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية الأخيرة بالمزيد من التخفيضات الضريبية. 

ولم يوضح ترامب المدى الذي سيمضي إليه، ولكنه ألمح إلى تخفيض ضرائب أرباح الشركات إلى 15% فقط مع إعفاء شرائح عدة من صغار الكسبة -مثل عمال المطاعم- من بعض أنواع الضرائب. 

فشل وتعثر
المشهد الإجمالي في عهد ترامب هو أن مصادر دخل الحكومة الفيدرالية ستنخفض بشكل حاد. ومحاولة ترامب تخفيض الإنفاق الفيدرالي تعثرت بشكل فادح. 

وفشل مجلسا الكونغرس، اللذان يسيطر عليهما الجمهوريون، في الاتفاق على التخفيضات الممكنة للإنفاق الفيدرالي، خصوصاً ما يتعلق بقضايا الرعايا الصحية والاجتماعية. 

ومع الإخفاق في تمرير قانون موازنة جديد للعام 2025، تم تمديد استخدام موازنة العام 2024 مرات عديدة. 

وفي منتصف مارس/آذار، تم تمديد استخدام موازنة العام 2024 حتى نهاية العام المالي 2025. 

ويمكن أن تكون الرسوم الجمركية مصدر الدخل الذي تحتاجه الموازنة الفيدرالية لتمويل التخفيضات الضريبية التي وعد بها ترامب.

التقديرات الحالية لعوائد الرسوم الجمركية تتراوح بين 400 و600 مليار دولار سنوياً. ولا يكفي هذا الرقم لسداد فوائد الدين العام أو لسد العجز المزمن، ولكنه يكفي فقط لتمرير تخفيضات ضريبية بعدة مئات من مليارات الدولارات سنوياً وإرضاء الناخبين الجمهوريين.

أضرار كبيرة
ستلحق هذه الرسوم الجمركية أضراراً واسعة بالاقتصاد الأمريكي، خصوصاً بالنسبة للشركات التي تعتمد بشكل حيوي على المكونات المصنعة في الخارج لمنتجاتها. 

وستمرر الشركات الزيادة في تكلفة التصنيع في الخارج إلى السعر النهائي لمنتجاتها، إلا أن ذلك سيجبر المستهلك الأمريكي على تخفيض مشترياته، ما يؤثر سلباً في عوائد الشركات الأمريكية، وبالنتيجة يزيد احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي حالة الركود. 

هذه المخاوف هي ما يفسر الانخفاض الحاد للغاية لمختلف مؤشرات الأسهم الأمريكية ("إس آند بي 500"، و"داو جونز الصناعي"، و"نازداك"، وغيرها). وهذا الانخفاض هو نتيجة فزع المستثمرين وبيعهم قسما مهما من محافظ الأسهم التي يمتلكونها. 

البديل الآمن
رد الفعل السلبي لسوق الأسهم كان متوقعاً من قبل جميع المراقبين. ومن المرجح أن إدارة ترامب كانت تراهن عليه. فالمستثمرون الذين يخرجون من سوق الأسهم سيبحثون عن خيار استثماري بديل. والبديل الآمن المتاح في الظروف الحالية هو سندات الخزانة الأمريكية. 

زيادة الطلب على هذه السندات تخفض من عائداتها (Yield)، وتخفض بالتالي من أعباء فوائد الدين على الحكومة الأمريكية. 

وكانت عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات ارتفعت من 3.6% في سبتمبر/أيلول 2024 إلى 4.8% مع مطلع ولاية ترامب في يناير/كانون الثاني، وذلك مع تدفق الأموال إلى سوق الأسهم الأمريكي. 

والآن، مع انهيار أسواق الأسهم الأمريكية، انخفضت عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من 4.9% إلى 3.89%. أما عائدات السندات لأجل 3 و6 و12 شهراً، فانخفضت بما بين 1.1% و1.3%. 

قد تبدو هذه التغييرات ضئيلة، ولكنها مهمة جداً عند تذكر حجم الدين العام الأمريكي البالغ 36.2 تريليون دولار. 

وللتوضيح، نشير إلى أن الدراسات الأمريكية تقدر أن تغيير عائدات سندات الخزانة بمقدار 1% فقط يكلف الحكومة الأمريكية نحو 190 مليار دولار سنوياً من الفوائد. 

وهذه التغييرات في عوائد سندات الخزانة تأخذ أهمية كبيرة في الوقت الحالي، لأن الحكومة الأمريكية بحاجة إلى إعادة تمويل 7 تريليونات دولار من سندات الدين خلال العام 2025، و28 تريليون دولار خلال ولاية ترامب. 

وستخفض إعادة تمويل هذه السندات عبر إصدار سندات جديدة بعوائد أقل من تكلفة خدمة الدين الأمريكي. 

وبالمجمل، يمكن لمزيج عائدات الرسوم الجمركية وتخفيض تكلفة الاقتراض أن يوفر ما بين 600 و800 مليار دولار سنوياً على الحكومة الفيدرالية، وهذا ما يسمح بتخفيضات كبيرة على دافعي الضرائب الأمريكية، ويسمح لترامب بالقول إنه حقق وعوده الانتخابية، إلا أن المسار المقبل ليس وردياً بالكامل والنتائج ليست مضمونة.

احتمالات الركود
رد الفعل السلبي لأسواق الأسهم الأمريكية سيزيد المخاوف حول احتمال ركود الاقتصاد الأمريكي، وما يعنيه ذلك من احتمال حصول ركود للاقتصاد العالمي.

وهذا ما ظهرت انعكاساته سريعاً في أسواق النفط العالمية، فقد انخفضت أسعار خام غرب تكساس بأكثر من 10% منذ إعلان ترامب عن رسومه الجمركية في 2 أبريل/نيسان. 

وستدفع هذه التصورات السلبية لمستقبل الاقتصاد الأمريكي والعالمي الشركات الأمريكية إلى تقليص حجم عمالتها، وتخفيض خططها الاستثمارية المستقبلية واللجوء إلى التقشف في المجالات المختلفة. ومن المرجح أن تزداد نسبة الشركات المتخلفة عن سداد ديونها، بسبب سعر الفائدة المرتفع في الولايات المتحدة. 

ولكن، حتى هذا التفصيل الأخير، هناك من يتداول أن إدارة ترامب لا تمانع حصوله. فركود الاقتصاد الأمريكي قد يكون الخيار الأخير المتاح لإدارة ترامب لإجبار مصرف الاحتياطي الفيدرالي على تخفيض سعر الفائدة الذي لا يزال أعلى من 4%، فيما كان 0.25% في العام الأخير من ولاية ترامب الأولى. 

وكان ترامب تعهد بتخفيض سعر الفائدة لتخفيض تكلفة الاقتراض بالنسبة للأمريكيين، إلا أن مصرف الاحتياطي الفيدرالي يمتلك استقلالية كبيرة وحصانة في مواجهة تدخلات الحكومة الأمريكية التي لا تستطيع حتى إقالة مجلس إدارة المصرف ما لم يثبت تقصيرها في عملها. 

بالمجمل، تبدو الحرب الجمركية، من منظور إدارة ترامب، علاجاً مؤلماً على المدى القصير لتحقيق النتائج المطلوبة على المدى المتوسط، أي خلال عام إلى عامين من الآن. 

ولكن، هل سينجح رهان ترامب فعلاً أم سيظهر أن خطة ترامب هي مقامرة تودي بحظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026؟ لا نستطيع حالياً إلا الانتظار والترقب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا