إقتصاد

رياض "بلينغ"

Please Try Again

ads




منذ أن استعرت حمى مسلسل "نتفليكس" المتمحور حول أغنياء دبي ويومياتهم المدججة بالمجوهرات والطائرات الخاصة، الماركات الباهظة والسيارات الرياضية والمآدب على قمم ناطحات السحاب، لم يهتم أحد بتداول تعريب ما لكلمة "بلينغ" كإشارة إلى البذخ الخيالي والاستعراضي حد السوريالية التي لا تحدّها عقول العامّة من الساعين إلى وظائفهم ومدارس أولادهم والسوبرماركت العائلي في نهاية الأسبوع... ولذلك هي فرجة تلفزيونية مدهشة.


والأرجح أن السبب ليس فقط افتقار العربية إلى كلمة واحدة، سهلة وطبيعية في مُرادَفتها لأسلوب حياة بأرقام فلكية. فـ"بلينغ" أصبحت مفردة خارج الألسنيات، مجرد لفظة، صوت للغة بصرية مزدحمة بكل ما هو وثير وبرّاق، زاهٍ وغالٍ ومؤسطر بالإفراط.

هكذا بدا رياض سلامة، أمس، في صورته العجائبية بين سبائك الذهب في مصرف لبنان.

وإن كانت شخصيات "دبي بلينغ" تُبذّر المُتع وتباهي بفلوسها، بصرف النظر عن مصادر تلك الأموال وما إذا كانت ثروات حقيقية أصلاً، فإن رياض يباهي بذَهَب اللبنانيين المكلومين في ودائعهم ورواتبهم وقروضهم. ذهبهم الذي يُخشى ذهابه أدراج الرياح، بعدما رأوه البارحة للمرة الأولى، أو ربما الثانية، وبدا مكتَنفاً بإثارة "تلفزيون الواقع" الذي يُدخل كاميراته حيث لم تعتد الدخول. شعروا كأنهم يتعرفون على ضمانتهم الزائلة، سراب حزين.

يبتسم رياض واقفاً وسط الخزنة الأخيرة في الدولة اللبنانية المفلسة بفعل فاعل. سعيد بانتصاره. هو الذي، رغم تأكيداته قبل أعوام بأن الليرة بخير، احترقت ليرات الناس ورمّدت حيواتهم ومدخراتهم وكل أمل لهم في مستقبل أو شيخوخة على شيء من الكرامة. انتصر، وبقي، رغماً عن كل خصومه، ورغماً عن الملايين من مواطنيه. وها هو يضحك، والصورة تطلع حلوة، بين أطلال الذهب الذي لا يعرف مصيره أحد، لا في لحظة التقاط الصورة ولا بعدها.

والمنتصر ليس مُلزَماً بشيء. لا بالإفصاح عن اسم الشركة التي أجرت تعداد التدقيق الأخير، ولا حجم الاحتياطي النهائي، ولا طبيعة مكوناته من سبائك وعملات وحليّ بأحجام وعيارات مختلفة، ولا كيفية توزّع الكمية بين لبنان والخارج، الآن وهنا. لا وثائق ولا مستندات. يكفيكم أن تعرفوا أن نتيجة التعداد مطابقة لأرقام المصرف، يهمس رياض. بزيادة عليكم هذه المعلومة. إلى هذا الحد فقط أحترمكم، ويمكنني أيضاً ألا أحترمكم بالمرّة، فعُدّوا نِعَمَكم ولوذوا بها. وطبعاً، لا أحد يجبر "الانفلونسر" الأقوى في الأزمة اللبنانية على البوح بما إذا كانت دفاتره أيضاً قد خضعت للتدقيق، وما إذا كان هناك رهن ما حالياً على جزء من الذهب، وهو، إن صحّ، فإنه لا يسبغ صفة الأمان على السبائك الصفراء مهما بدت مُحصّنة في اصطفافها على الرفوف.

يكفي أن يمارس رياض "بلينغه": أنظروا الذهب حولي، فوقي وتحتي، واجترّوا أرقام المسح ما قبل الأخير، من العام 1996.

كلنا في هذه البلاد يكبر على نغمة الادخار في الذهب. من أمهاتنا وجدّاتنا سمعناها كالرقيّة: كلما زاد معكم قرشين، اشتروا قطعة ذهب، للزمن. وغالباً ما أهديناهن في عيد الأم ما نقدر عليه من عند الجوهرجي. ليرة ذهبية. سلسلة رقيقة مع قلب، مهما خفّ وزنه، فحُبُّه أبقى من حقيبة يد أو باقة ورد. بل يجد واحدنا نفسه وقد علق في ذهنه احتقار كل حجر تزييني يلمع، وكل "مصنعية" تُداخل القطعة المنتقاة. فكلما كانت الحلية عذراء في ذهبيّتها، كلما كانت "دكّة" أمتن في قصبة اليوم الأبيض، تحسباً للأسوَد.

وقد حلّ اليوم الحالك، كالنبوءة الحتمية، بكل غلوائه وظلامته، ورياض يبتسم لنا بين "دهباياتنا"، وفي طبقة ثانية من الصورة يمدّ لسانه ويقهقه. هو المُلاحَق قضائياً في سبع دول، تجده قناة "الحرة" وتحاوره لأكثر من ساعة، ولا تجده قوى إنفاذ القانون اللبنانية، لا في بيته ولا في مصرفه كيما تحقق معه أو حتى تستمع لإفادته كشاهد. رياض، مشعوذ القبيلة الحاكمة، يخرج في مقابلات ومؤتمرات صحافية متلفزة، يتمتم تعاويذه ويرطن بأرقام كالأحاجي، وشروحات ملغزة ترتسم بها عناوين المقالات والأخبار العاجلة. ثم يعود لتواريه الهانئ الذي لا يكسره سوى "بلينغ" توت عنخ آمون، الفرعون الذهبي، وبضع صور من الأرشيف متسلماً جوائز ودروعاً تقديرية كأفضل مصرفي عربي، عالمي، في الكوكب، في المجرّة.  ads




Please Try Again