"تشدد أمني وتفتيش بألبومات الصور".. الخناق على اللبنانيين بالخارج يشتدّ!
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا تدريجيًا في المشهدين المالي والأمني للبنانيين في الخارج، وتطور هذا التحول إلى أطوار جديدة في بعض الدول خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في أوروبا، حيث دخل قرار المفوضية الأوروبية بإدراج لبنان ضمن القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في 5 آب 2025، باعتباره "دولة عالية المخاطر" إلى جانب فنزويلا وكينيا ولاوس وساحل العاج والجزائر وأنغولا وموناكو وناميبيا ونيبال، بسبب عدم التزام لبنان بشروط ومعايير مجموعة العمل المالي (FATF) لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
في المقابل، فشلت محاولة حاكم المصرف المركزي كريم سعيد، تجنّب إدراج لبنان على اللائحة السوداء عبر إصدار التعميم الأساسي رقم 170 القاضي بمنع المؤسسات المالية المرخّصة من التعامل مع مؤسسات مالية غير مرخّصة أو كيانات مدرجة على لوائح العقوبات الدولية. وكان مكتب بعثة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان قد أوضح سابقًا أن القرار المتخذ لا يتعلق بتقدم أو تراجع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية على مستوى الإصلاحات في الأشهر الأخيرة، بل هو قرار مالي بحت. وتشير المعلومات على موقع المفوضية إلى أن هذا القرار يرتبط بعملية تقييم الدول ذات الصلة بالنظام المالي للاتحاد الأوروبي التي لا تستوفي المعايير غير التراكمية. فتحديد الدول عالية المخاطر يعد ضروريًا لحماية النظام المالي للاتحاد الأوروبي، ولدى المفوضية الأوروبية الصلاحية لتحديد الدول التي تعاني من قصور استراتيجي في أطر عملها لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
غير أن ما يفاقم الوضع هو التضييق المتزامن الذي يتعرّض له اللبنانيون في عدة دول حول العالم، خصوصاً في أوروبا، حيث لا يقتصر الأمر على تشديد القيود على التحويلات والمعاملات المصرفية والاستثمارات، بل يصل أحيانًا إلى ممارسات عنصرية ممنهجة وانتهاكات فادحة، خصوصًا في المطارات تحت ذريعة "الاشتباه الأمني"، مما يعكس العمق السياسي والأمني لهذا القرار.
تأثيرات اقتصادية مباشرة
بخلاف ما صرّح به بعض الخبراء الماليين اللبنانيين مؤخرًا حول عدم تأثر المصارف اللبنانية الكبرى بإدراج لبنان على اللائحة السوداء للاتحاد الأوروبي، تشير معلومات وردت من عددٍ من اللبنانيين الذين يستخدمون بطاقات خصم صادرة من مصارف لبنانية كبرى إلى عدم قبول التحويلات والمدفوعات في عددٍ من المعاملات الخارجية، وبالأخص تلك المرتبطة بدول الاتحاد الأوروبي أو الدول التي تدور في فلكه وتلتزم بقراراته وتعاميمه وإرشاداته لأسباب سياسية رغم كونها غير ملزمة ولا تتعامل باليورو بل بعملات أخرى. وقد بدأت إجراءات تقييد المعاملات المالية باليورو قبل أكثر من شهر من دخول قرار المفوضية الأوروبية حيز النفاذ الفعلي. واللافت أن الخدمات توقفت بشكل مفاجئ دون إنذارٍ مسبق للعملاء، مما تسبب بأضرار اقتصادية مباشرة خصوصاً بالنسبة للمستثمرين الصغار والفرديين الذين يعتمدون على تلك الخدمات لاستمرارية أعمالهم داخل لبنان وخارجه.
بالإضافة إلى ذلك، بدأت المصارف الأوروبية بفرض قيودٍ شديدة على أنواع الحسابات البنكية التي يمكن فتحها للأفراد اللبنانيين، خصوصاً إذا كانوا يعملون لحسابهم الخاص وغير مرتبطين بشركات تؤمّن لهم مظلة حماية قانونية، مما يعني استبعاد شريحة كبيرة من اللبنانيين لا ينتمون إلى تصنيفات وظيفية محددة ضمن فئة المهن عالية المهارة. علاوةً على ذلك، ستتباطأ وتيرة إنجاز العمليات التجارية والمالية مع الشركات والمؤسسات والمصارف اللبنانية الكبرى أضعاف مضاعفة بسبب الرقابة الشديدة من قبل المصارف الأوروبية، مما سيتسبب بخسائر مالية كبيرة مع مرور الوقت.
لكن التطورات لا تقتصر على الدول الأوروبية فحسب، رغم عدم وجود قرارات رسمية مماثلة في دول أخرى. ففي كندا، يبرز تشديد إضافي على التحويلات المالية من وإلى لبنان بشكل عام، مع ارتفاع مستمر في تكاليف التحويل، مما يدفع اللبنانيين في كندا للجوء إلى إرسال أو تلقي الأموال عبر أصدقائهم وأفراد عائلاتهم الذي يسافرون من وإلى بيروت. في الولايات المتحدة لا توجد حتى الآن أي تطورات سلبية ملحوظة في هذا السياق. أما دول الخليج العربي، فتنفي المعلومات الواردة وجود أي تطورات جديدة في هذا الشأن وتؤكد استمرار التعامل مع اللبنانيين وفقًا للقوانين والأنظمة المالية الخليجية المعمول بها.
المعلومات من أستراليا تنفي حدوث أي تغييرات في إجراءات فتح الحسابات البنكية للبنانيين، بخاصة بسبب تشدد السلطات الأسترالية مع اللبنانيين عمومًا فيما يخص إجراءات الموافقة على التأشيرة الأسترالية. أما فيما يتعلق بالتحويلات المالية، فبدأت السلطات الأسترالية بالتشدد مع التحويلات إلى لبنان منذ تدهور الأوضاع الأمنية في تشرين الأول 2023، معتبرة إياها نشاطًا غير قانوني محتمل حتى إثبات العكس. وعلى هذا الأساس، بدأ رفض إرسال عددٍ كبير من الحوالات المتوسطة والكبيرة، لكن كان يتم إرسال معظمها من جديد بعد مراجعة اللبنانيين المغتربين للجهات المعنية وتقديمهم أدلة على عدم وجود شبهات.
تضييقٌ أمني وانتهاكات بحق اللبنانيين
وقد أفادت مصادر بأن التشدد الأمني مع اللبنانيين في المطارات الأسترالية قد ازداد بشكل لافت في الأشهر الأخيرة، خصوصًا مع الرجال. ويشمل ذلك التحقيق لساعات طويلة، وخرق الخصوصية عبر التفتيش الدقيق في ألبومات الصور ومجموعات المحادثة على الهواتف المحمولة. ويستهدف التفتيش بشكل عام جميع النشاطات غير القانونية، بالإضافة إلى النشاطات السياسية، وبشكل خاص الاشتباه بالانتماء أو التواصل مع أي تنظيمات مسلحة. أما في المطارات الأوروبية، فقد كانت الإجراءات الأمنية بحق اللبنانيين مشدَّدة أساسًا، لكنها تضاعفت في الآونة الأخيرة، حتى أن مسافرين بشكل دائم بين بيروت وبرلين، ويعملون لصالح مؤسسات ألمانية، استغربوا إجراء تحقيقات مطوَّلة معهم، رغم أنهم يدخلون ألمانيا بشكل مستمر. بمجرد أن ينظر عنصر الأمن إلى جواز السفر اللبناني، يبدأ بطرح الأسئلة التي تحمل طابعًا أمنيًا. لكن الأمر بلغ مرحلة خطيرة في إحدى المطارات الإسكندنافية (لن يتم ذكر المطار أو الدولة بشكل محدد بناءً على طلب الضحية)، حيث تعرّضت إحدى السيدات اللبنانيات إلى تفتيش تسبّب في صدمة لديها، حيث لم تَتَوانَ المسؤولة عن التفتيش من الطلب إليها أن تقوم بخلع جميع ملابسها.
ماذا بعد اللائحة السوداء؟
جاء قرار إدراج لبنان على اللائحة السوداء واعتباره يعاني من قصورٍ استراتيجي في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بعد تسعة أشهر من إدراجه على اللائحة الرمادية، التي اعتبرت أن لبنان يعاني من قصور لكنه يعمل على تحسين أوضاعه. بصرف النظر عن العوامل الجيوسياسية التي تلقي بثقلها على هذا التصنيف، خصوصًا في ظل التوترات السياسية والأمنية وعودة "حزب الله" إلى اتخاذ المواقف المتصلّبة تناغمًا مع الموقف الإيراني، فإنه من الواضح أن لبنان يسير في مسارٍ انحداري متسارع على المستوى المالي والاقتصادي. فإدراج لبنان على اللائحة السوداء يضاعف من مخاطر الاستثمار، سواء الأجنبي المباشر أو المحلي، فيما ستقوم المؤسسات والشركات الأجنبية بإعادة تقييم وجودها في السوق اللبنانية وأولوياتها.
في حال فشل لبنان في تحقيق إصلاحات مالية مباشرة من جهة، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني من جهة أخرى، فإن احتمال توسّع الأزمة لتشمل فرض عقوبات دولية، بمشاركة أميركية وبريطانية، يبقى واردًا. وقد تشمل هذه العقوبات فرض قيود على جهات رسمية ومؤسسات مالية كبرى، وتجميد أصول، وتقييد حركة رؤوس الأموال والتحويلات المالية من وإلى لبنان.
هاني عضاضة- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|