ضغط دولي للجم نتنياهو بانتظار موقف لبنان من حصر السلاح: هل يكون بحجم المرحلة؟
سنة بلا نصرالله: أيّ حزب؟
ما إن بدأت سنة 2025 حتّى كان الكثير في لبنان قد تغيّر بفعل ما انتهت إليه السنة التي سبقتها. آخر ما أورثته إلى السنة الجديدة اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 قبل مفاجأة الأيّام القليلة التالية بسقوط النظام السوريّ في 8 كانون الأوّل. كلّ ما دار في لبنان في السنة المنصرمة ولا يزال حتّى الآن يُعزى إلى اتّفاق وقف النار. أطاح توازنات داخليّة رأساً على عقب، قَلَبَ الأحجام فأضعف القويّ وقوّى الضعيف، وأعاد الاعتبار إلى فكرة الدولة وأنهى الاحتكام إلى القوّة. لم يتوالَ ذلك كلّه لو لم يتغيّر “الحزب” كثيراً.
في سنة 2025 تساوى أفرقاء الداخل في الضعف وفي تقارب الأحجام، علاوة على حاجتهم للمرّة الأولى إلى مرجعيّة احتكام. على أنّ الوصول إلى هذا الواقع، على أهميّته، يظلّ هامشيّاً ما إن يُقارن بحدث غير محسوب. حافظ اللاعبون المحليّون جميعاً على مواقعهم وأعناقهم ما خلا استثناء واحداً انتقل بلبنان من حقبة إلى أخرى. في عام 2025 كانت انقضت سنة على “الحزب” من دون السيّد حسن نصرالله.
بالتأكيد تغيّر الكثير في “الحزب” باغتيال أمينه العامّ قبل أكثر من سنة، فهو الذي اعتاده في حياته اليوميّة طوال 32 عاماً، وهو ما لم يره في الولايتين القصيرتين لسلفَيْه صبحي الطفيلي (1989-1991) وعبّاس الموسوي (1991-1992). خُلع الأوّل لعدم امتثاله لولاية الفقيه وأضحى لاحقاً أحد ألدّ أعدائه، والثاني اغتالته إسرائيل.
بعدهما بدا نصرالله أنّه سيكون قائد “الحزب” مدى الحياة على نحو أترابه زعماء الأحزاب النظيرة (وليد جنبلاط في زعامة طائفته منذ عام 1977 دونما أن يكون لحزبه مغزى يتجاوزها، نبيه برّي في زعامة حركة أمل منذ عام 1980، سمير جعجع في زعامة “القوّات اللبنانيّة” منذ عام 1986). من بينهم كان نصرالله أكثر من زعيم كبير في طائفة وقائد تنظيم: صاحب مشروع مكلف. نظيره الوحيد في العقود الثلاثة الأخيرة هو الرئيس رفيق الحريري الذي كان صاحب مشروع وليس زعيماً فحسب، بفارق جوهريّ أنّ أحدهما قاد مشروعاً اقتصاديّاً سياسيّاً والآخر مشروعاً عقائديّاً. كلاهما قضيا على نحو مشابه: أطنان متفجّرات كي يُقتل المشروع بمقتل صاحبه وينتهي بانتهائه. كلاهما صنعا مجدَ طائفتهما في الداخل، لكنّهما بدوا ذوَي حجم إقليميّ ودوليّ كان يصعب على البلد الضعيف احتمال أثقالهما وتشعُّب أدوارهما بهمومه الصغيرة المتواضعة.
منذ عام 2005 يعيش السُّنّة ويتصرّفون كأنّهم بلا زعيم في حجم الحريري، ومنذ سنة يعيش “الحزب” في عزاء مستديم يشبه تاريخ الموت القديم المتواصل في الطائفة. كلا الرجلين يكاد لا يخلو بيت في طائفته لا تتصدّر جدرانه صوره. كما الحريريّة السياسيّة المنطفئة، يتغيّر “الحزب”: فَقَدَ الجيل الأوّل المؤسّس اغتيالاً، خسر الآلة العسكريّة القويّة التي رافقته أربعة عقود ما إن هزمتها أخيراً الحرب الإسرائيليّة، سقط مشروعه العقائديّ الإقليميّ الذي أعدّ نفسه له على أن تكون الدولة اللبنانيّة جزءاً منه لا كما شاع أنّه دويلة من ضمن الدولة اللبنانيّة، وخسر سلاحه الموازي المستمدّ من السلاح الأصل، وهو مقدرته على إدارة النظام ومؤسّساته والتحكّم بانتظامه كما بفوضاه وتعطيله، وإذ به منذ مطلع عام 2025 كسواه من الأفرقاء أحد براغي آلة الحكم لا مفتاح إدارتها.
في السنة المنصرمة ثمّة ما تغيّر في “الحزب” رغماً عنه، وهو مهمّ، لكن أيضاً ثمّة ما لا يسعه تقبّل حصوله وتغيّره فيه:
1 ـ تبدّل الواجهة التي اعتاد الإطلال بها في السياسة باحتجاب مَن كانوا في صدارته، وبينهم ممّن بقي من الجيل الأوّل المؤسّس، واستبدالهم بآخرين:
– خرج حسين خليل المعاون السابق للأمين العامّ السابق من أحد الأدوار المنوطة به، وهو التواصل مع الرئيس نبيه برّي، كي يحلّ محلّه فيه النائب السابق محمد فنيش المعهود إليه في الوقت نفسه قيادة الحملة الانتخابيّة لـ”الحزب” خلفاً للأمين العامّ الحاليّ الشيخ نعيم قاسم.
– حُلّت وحدة الارتباط والتنسيق وطُلب من رئيسها وفيق صفا عدم التحرّك بلا أوامر مسبقة من قيادة “الحزب”، وهو ما عنى إخراجه من دائرة الضوء بعد الكثير الذي سيق إليه في تدخّلاته.
– كُلّف النائب علي فيّاض بالمهمّة السابقة لصفا، وهي العلاقة بحليفه التيّار الوطنيّ الحرّ، قبل أن يرأس وفد “الحزب” الذي زار بكركي للمعايدة في محاولة لتقديم واجهة مدنيّة أكثر اعتدالاً في الحوار معها.
– انتقال سلطة الإمرة العسكريّة والأمنيّة وتالياً السياسيّة في “الحزب” إلى الحرس الثوريّ الإيرانيّ مباشرة ليكون مرجعيّة قراراته من خلال الجيل الجديد الذي يقود الغرفة المغلقة، ممّن يقال عنهم إنّهم تلامذة القادة الذين اغتالتهم إسرائيل، المدرَّبون بعناية لدى الحرس الثوريّ.
– تقليص دور مرجعيّة الأمين العامّ في “الحزب” المألوف عنه في حقبة نصرالله أنّه الآمر صاحب القرارات والرؤية والتوقّعات والحسابات، فلم تعُد أخيراً أكثر من شرفة سياسيّة.
– لا نائب للأمين العامّ على نحو لم تعرفه الأمانة العامّة في ثلاثة عقود شغل فيها قاسم نيابتها وكان مساعداً رئيساً لنصرالله.
2 ـ في السنة المنصرمة غدا “الحزب” أسير معطيَين ميدانيَّين لم يسعهما تبديد أيّ انطباع بأنّه خسر الحرب مع إسرائيل وفقد المبادرة في المواجهة:
– أوّلهما إصراره على تمسّكه بسلاحه ورفض التخلّي عنه، وتشديده على أنّه أعاد بناء قدراته العسكريّة، فيما الواقع أنّه فقد نهائيّاً الشرعيّة القانونيّة التي أحاط بها سلاحه منذ الحكومة الثانية للرئيس فؤاد السنيورة عام 2008 عبر ثلاثيّة الجيش والشعب والمقاومة ما إن اتّخذ مجلس الوزراء قرارَيْه في 5 و7 آب المنصرمين.
– ثانيهما تأكيد استعداده للعودة إلى المواجهة العسكريّة مع إسرائيل فيما خرج نهائيّاً من وراء الخطّ الأزرق إلى شمال نهر الليطاني في مرحلة أولى ستليها أخرى يخرج فيها إلى شمال نهر الأوّلي. منذ وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 لم يطلق رصاصة على إسرائيل ولم يردّ على اغتيال قادته ومقاتليه في الأشهر التالية لوقف النار. وخلافاً لِما أفضت إليه حرب تمّوز 2006 التي أتاحت له نتائجها آنذاك التعويل على عامل الوقت للعودة التدريجيّة إلى الخطّ الأزرق، تتصرّف إسرائيل حياله اليوم على أنّها تخوض آخر حروبها معه، غير معنيّة بالقرار 1701 واتّفاق وقف النار، مُطاردةً إيّاه حيث يكون في أيّ بقعة من لبنان.
نقولا ناصيف - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|