الصحافة

إسرائيل وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: إمدادات الغاز ضمناً

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بعد يومين فقط من عمليّة السابع من تشرين الأوّل 2023، صارح رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو جمهوره، مشيرًا إلى أنّ الاستجابة العسكريّة التي يقوم بها تتجاوز حدود الرد على حركة حماس، لتصل إلى "تغيير الشرق الأوسط". ومنذ ذلك الوقت، كرّر نتنياهو هذا الشعار مرارًا وتكرارًا، بصيغ وعناوين مختلفة، إلى أن أعلن مؤخّرًا، في الذكرى الثانية لبدء الحرب، أنّه تمكّن بالفعل من "تغيير وجه الشرق الأوسط، وبقاء إسرائيل". باختصار، لم يعد الحديث عن إعادة تشكيل المنطقة -بخرائطها ومقدّراتها وتوازناتها- مجرّد نظريّة مؤامرة أو تحليلٍ مُرتاب، ما دام أقصى اليمين الحاكم في تل أبيب يصارح العالم بشهيّته المفتوحة لابتلاع المزيد في كل مرحلة، وبما يتجاوز متطلّبات ضمان الأمن.

لم تفتح الحرب الأخيرة الصراع على خرائط إمدادات ومصادر الغاز في شرق المتوسّط. فهذا تجاذبٌ مفتوح، منذ بدء اكتشاف الكميّات التجاريّة الوازنة من الغاز في المنطقة، قبل ربع قرن على أقل تقدير. ولكل لاعب إقليمي في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، تطلّعاته وخططه، بالنسبة للدور الذي سيلعبه مستقبلاً على امتداد سلاسل توريد الطاقة. غير أنّ الجديد اليوم، هو المحاولات الإسرائيليّة لتوظيف الواقع العسكري والأمني المُستجد، في إطار الصراع على خطوط الغاز. وفي المقابل، فرضت التحوّلات السياسيّة في دمشق، منذ سقوط نظام الأسد، وقائع مؤثّرة على موقع سوريا في هذا الصراع.

الأمن وخرائط الغاز

في قمّةٍ ثلاثيّة استضافتها مدينة القدس، شهر كانون الأوّل الماضي، أعلنت إسرائيل واليونان وقبرص انتقال الشراكة بين الدول الثلاث من التنسيق السياسي، إلى التحالف الدفاعي الهادف لبناء منظومة أمنيّة متماسكة على امتداد الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط. وتزامنًا مع هذه القمّة، كانت تقارير إعلاميّة في أثينا تسرّب خططًا -غير معلنة- لإعداد قوّة انتشار (أي تدخّل؟) سريع مشتركة، قوامها 2500 جندي، بهدف ضبط الأمن البحري في منطقة شرق الأوسط.

لم يكن صعباً على المراقبين تلمّس علاقة الأمن والدفاع، بالصراع على خطوط إمداد الطاقة في المنطقة. فالدول الثلاث، هي الأركان الأساسيّة في مشروع أنابيب "إيستميد" للغاز الطبيعي، الذي يمتد عبر البحر: من إسرائيل، إلى قبرص، وصولاً اليونان. ورهان المشروع الأساسي، هو ربط السوق الأوروبيّة، المربوطة باليونان أصلاً، بمصادر الطاقة في شرق المتوسّط، عبر إسرائيل.

تم تصنيف المشروع، عام 2013، كأحد مشاريع "الاهتمام المشترك" من قبل المفوّضية الأوروبيّة، وتلقى على هذا الأساس تمويل الاتحاد المطلوب لإنجاز الدراسات التقنيّة والبيئيّة. ثم عام 2020، تم توقيع اتفاقيّة مدّ الأنابيب بين الدول الثلاث، قبل أسابيع من بدء الحرب الأوكرانيّة، وما أعقبها من بحث الدول الأوروبيّة عن مصادر بديلة للغاز الطبيعي. وعلى هذا الأساس، ظلّ المشروع عاملاً مُحدّدًا وحاسمًا لشراكات الدول الثلاث واصطفافاتها في سوق الطاقة، وإن لم يبصر النور حتّى هذه اللحظة.

الإشكاليّة التي حالت دون تنفيذ المشروع بالفعل، كانت الجدوى الاقتصاديّة المفقودة، حتّى هذه اللحظة. وحين نقول "حتّى هذا اللحظة"، فهذا يعني أنّ من الممكن الرهان على "خلق الجدوى" لاحقًا. وهذا بالضبط ما يفسّر تمسّك الدول الثلاث بهذا المعسكر، في سوق الطاقة. وخلق الجدوى الاقتصاديّة، سيعتمد على عاملين: أحدهما سياسي، والآخر جيولوجي. وللأمن والقوّة، دور أساسي في حسم العامل الأوّل.

على المستوى الجيولوجي، سيحتاج تنفيذ المشروع إلى اكتشاف احتياطات جديدة، وزيادة الإنتاج في الحقول القبرصيّة والإسرائيليّة، وفي حقول الدول المحيطة، التي يمكن ربطها بهذه الشبكة. والحديث عن الدول المحيطة، التي سترتبط بهذه الشبكة، يأخذنا إلى العامل السياسي، حيث تحتاج إسرائيل إلى التحوّل إلى نقطة "تجميع" إقليميّة للغاز، قبل تصديره. فهل ستكون حقول الغاز في لبنان أو مصر أو غيرها مثلاً، جزءًا من هذه الشبكة؟ هذا سؤال سياسي في تلك الدول (ثمّة خط أنابيب بين مصر وإسرائيل، لكنّه يعمل لوظيفة مختلفة تماماً، وسنعود لهذا النقاش لاحقاً).

مشاريع مُنافسة

لم يُخفِ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان يومًا طموحه، الساعي لتحويل تركيا إلى مركز إقليمي لإعادة تصدير الغاز الطبيعي. والسوق المستهدفة هي نفسها، الاتحاد الأوروبي. ويستند هذا الطموح إلى مقوّمات موجودة أصلاً، وواضحة المعالم، ومنها: خط تاناب الذي ينقل الغاز الأذربيجاني إلى العمق الأوروبي، عبر هضبة أناضول، وخطّي تورك ستريم وبلو ستريم، ويصلان الحقول الروسيّة بالسواحل التركيّة، فضلاً عن خطوط أخرى تربط تركيا بإيران وأوروبا. كما تملك تركيا بنية تحتيّة مجهزة لنقل الغاز داخلياً، ما يسهّل عليها لعب دور مركز إعادة التوزيع في المنطقة.

شكّل سقوط نظام الأسد، وانتقال دمشق إلى موقع أكثر تفاهمًا مع أنقرة والمحيط العربي، نقطة تحوّل لا يمكن تجاهلها. فهذا الحدث أحيى الحديث حول مشاريع ربط منطقة الخليج العربي بتركيا، عبر سوريا، بما يشمل خطوط التجارة ونقل مصادر الطاقة على أنواعها. وكان وزير الطاقة التركي ألب أرسلان قد أعلن سابقًا أنّ مشروع خط أنابيب الغاز القطري-التركي قد يُنظر فيه، بمجرّد تحقيق الاستقرار الكامل في سوريا، ووجود نظام نقل آمن، في حين أنّ قطر نفت وجود قرار أو خطط حاليّة بهذا الشأن. ومع ذلك، يمكن القول أن الحدث السوري قبل نحو عام فتح باب الإمكان، بانتظار تبلور المشهد السياسي بشكلٍ أوضح في دمشق.

من جهة أخرى، تملك مصر مشاريعها الخاصة، التي لم تتصادم مع طموحات تل أبيب حتّى هذه اللحظة. فالدور المصري يجمع ما بين ثلاث أدوار: القدرة على إنتاج الغاز محلياً، والمنشآت القادرة على تسييل هذا الغاز لتصديره إلى أوروبا، وخطوط استيراد الغاز من إسرائيل. وبهذا الشكل، تقدّم مصر بديلاً لخط إيستميد، عبر استيراد الغاز الإسرائيلي، ثم تسييله في محطتي إدكو ودمياط، ثم تصديره إلى السوق الأوروبي. مع العلم أن إنتاج الغاز المحلّي المصري وحده ما زال محدودًا بالمقارنة مع حاجات الاستهلاك الداخلي، ما يفرض استجرار الغاز الإسرائيلي لتسييله وتصديره. وهنا بالتحديد، يأتي الدور الذي ستلعبه الاتفاقيّة الأخيرة، لتصدير الغاز الإسرائيلي باتجاه مصر.

بهذا المعنى، تضع هذه المعادلات مصر أمام معادلة واضحة. فمشروع إيستميد، يُعتبر حاليًا منافسًا إقليميًا لخياراتها، إذ سيسمح لإسرائيل بتصدير غازها من دون المرور عبر محطات التسييل المصريّة. لكن في الوقت نفسه، وفي حال ارتفاع الإنتاج المحلّي المصري لاحقًا، سيكون أمام مصر عدّة خيارات، ومن بينها الانخراط في هذا المشروع (أو التحالف) لتصدير الغاز عبر الأنابيب، بكلفة أقل من كلفة التسييل.

أمام هذا المشهد، تسعى إسرائيل لتوظيف الأمن في منافساتها التجاريّة، داخل سوق الطاقة. فالتفاهمات الدفاعيّة مع قبرص واليونان، ستقوّي شوكة أثينا ونيقوسيا في مواجهة أنقرة، وخصوصًا في سياق الخلافات الحدوديّة والسياسيّة القائمة حاليًا. غير أنّ إعادة ترتيب الأوراق وإبراز التحالفات بهذا الشكل، لن يؤمّن وحده لإسرائيل مقوّمات نجاح مشروعها، الذي سيستلزم إعادة فرض تل أبيب كجزء مُندمج داخل المشهد الاقتصادي الإقليمي، بما يشمل فرض المشاريع الاستثماريّة على دول المنطقة، كجزء من التفاهمات الأمنيّة والسياسيّة.

وهذا بدوره، جزء من الشرق الأوسط الذي يريد نتنياهو إعادة تشكيله.

علي نور الدين - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا