خضع لعلاج نفسي ويحبّ أن يكون وحيداً... ميسي يعترف بأنه غريب الأطوار
هل تملك الحكومة مفاتيح المرحلة الثانية من خطة "حصرية السلاح"؟
مع بداية العام الجديد، تتزاحم الملفّات والاستحقاقات التي تنتظر لبنان، وقد تكون أولى هذه المحطات الجلسة المنتظرةللحكومة يوم الخميس، التي سيعرض فيها التقرير الرابع والأخير لقيادة الجيش عن المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني. ووفق التقديرات، فإنّ هذا التقرير سيُستخدم لإعلان إنجازٍ ما على الأرض، وإعادة تقديم الدولة بوصفها قادرة على تنفيذ قرارٍ سيادي في واحدة من أكثر الساحات حساسية.
لكنّ جوهر المسألة لا يقف عند حدود إعلان الإنجاز، فما تحاول الدولة أن تقوله عبر المرحلة الأولى ليس مجرد "نجحنا" في تحقيق ما كان يُعَدّ مستحيلاً، بل "نستطيع"، بمعنى أنّ الدولة تمتلك أداة تنفيذ، وأن الجيش قادر على الانتشار على كامل المنطقة الحدودية. هنا، تبدو الرسالة "مزدوجة"، داخليًا لشدّ العصبية المؤسسية ومنح الناس إحساسًا بأن هناك دولة تعمل، وخارجيًا، لطمأنة العواصم المعنية بأن لبنان قادر على إنتاج خطوات قابلة للقياس، لا الاكتفاء بالوعود.
غير أن "القياس" نفسه يحمل مفارقة تبدو "ثقيلة" إن جاز التعبير، فـ"الإنجاز" الذي ينتظر أن تعلنه الحكومة لن يكون "مكتملاً"، وسبب ذلك ليس لوجستيًا، ولا تكتيكيًا، بل يُعَدّ جوهريًا، وهو استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط استراتيجية عدّة في الداخل اللبناني، وبالتالي، فإنّ الدولة لا تستطيع أن تعلن اكتمال السيطرة ما دامت هناك أرض خارج السيطرة، حتى لو أكّدت المؤسسة العسكرية أنالجيش جاهز لاستكمال انتشاره فور الانسحاب.
هذه النقطة ليست تفصيلًا تقنيًا، لأنها تمسّ مباشرة بما ستقوله الحكومة في اليوم التالي: فإذا كانت المرحلة الأولى أُنجزت "ضمن الممكن"، هل يعني ذلك أنّ المرحلة الثانية ستنجز أيضًا "ضمن الممكن"، أم أن المطلوب قفزة سياسية أكبر من القدرة الفعلية على الأرض؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي، خصوصًا أنّ الفرق بين المرحلتين جوهري، باعتبار أنّ شمال الليطاني يدخل مباشرة في قلب المعادلة السياسية، وبالتالي يحتاج إلى قرار سياسي محكم.
بمعنى آخر، إذا كان إنجاز جنوب الليطاني يفتح تلقائيًا ملف المرحلة التالية، وفق ما صرّح به رئيس الحكومة نواف سلام قبل أيام، في تصريحات أثارت الجدل السياسي، فإنّ القضية لا تبدو فعليًا بهذه السهولة، وبالتالي لا يمكن تصوّر انتقال "سلس" بين المرحلتين، على الأقلّ من دون صياغة سياسية داخلية تُخفّف منسوب الصدام، بالنظر إلى موقف "حزب الله"، أو من دون تفاهمات ضمنية تحدّد حدود الحركة وحدود التوقعات، في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية.
عمليًا، يمكن الحديث عن مجموعة من المعوّقات التي تصطدم بها المرحلة الثانية قبل أن تبدأ، أولها ليس "القرار" بحدّ ذاته، ولكن منطق التنفيذ. فهذه المرحلة تحتاج، وفق ما يتمّ تداوله، إلى آليات وتجهيزات لوجستية وتقنية إضافية لتثبيت الحضور الميداني وتعزيز القدرة على البحث والمصادرة، وهو ما جرى ربطه بمؤتمر دعم دولي للجيش مرتقب في شهر شباط المقبل. بمعنى آخر، فإنّ المرحلة الثانية تُكتب، منذ البداية، على ورقة مزدوجة: قرار سياسي داخلي من جهة، و"قدرة تنفيذ" مرتبطة بدعم خارجي من جهة أخرى.
ولا تقلّ طبيعة الجغرافيا السياسية للمرحلة الثانية أهمية عن منطق التنفيذ، ولا سيما أن المنطقة المقصودة تشمل شريطًا واسعًا من الزهراني وصيدا وجزين وصولًا إلى إقليم التفاح وجبل الريحان والنبطية، وهي ليست "خطًا مستقيمًا" يمكن ضبطه بإجراء واحد؛ بل خليط مناطق وبلدات وتضاريس، وفي قلبها تداخل حساس بين ما هو لبناني وما هو فلسطيني. وهنا تبرز طبقة جديدة من التعقيد مع إدخال السلاح الفلسطيني داخل مخيمات مثل عين الحلوة والمية ومية ضمن عنوان المرحلة الثانية، فالحديث هنا ليس عن ضبط سلاح في منطقة مفتوحة فحسب، بل عن ملف تاريخي له توازنات أمنية وسياسية دقيقة، وأي خطأ في مقاربته يفتح باب الفوضى.
أما المعوّق الثالث الذي تواجهه الخطة النظرية، فيرتبطبعلاقة الجيش بواقع السلاح نفسه. فالتقرير المتوقّع، وفق التسريبات المتداولة عن مضمونه، يشير إلى أن الجيش لم يحصل على خرائط أو معطيات مسبقة تسهّل مهمته في جنوب الليطاني ولا شماله، ما اضطره إلى الاعتماد على جهده الخاص ومعلومات متعددة المصادر. هذه النقطة، إن ثبتت، تعني أن المرحلة الثانية ستفتقر إلى ما يجعلها عملية "سريعة" أو "نهائية"، وسترجّح كفّة التنفيذ المتدرّج على شكل إجراءات أمنية مستمرة بدل حملة شاملة بمواعيد صارمة.
وفي هذا السياق، يبرز موقف "حزب الله" المتحفّظ أساسًا على الدخول إلى المرحلة الثانية، انطلاقًا من تفسيره لتطبيق 1701 وحدود ما يترتب عليه. بالنسبة إليه، فإنّ الأولوية اليوم هي لوقف إسرائيل عدوانها وانسحابها من الأراضي التي احتلّتها، قبل أي نقاش داخلي يقدّم لها المزيد من التنازلات المجانية. ولا يُقرَأ هذا الموقف فقط كاختلاف في ترتيب الأولويات، بل كرفضٍ عملي لتحويل المرحلة الثانية إلى بوابة ضغط داخلية تُنتزع تحت سقف زمني خارجي.
وهنا تدخل إسرائيل كمعوّق رابع، لا بوصفها طرفًا على الحدود فقط، بل بوصفها جهة تحاول تثبيت "هامش حركة"بالنار، منذ اتفاق وقف إطلاق النار، علمًا أنّ استئناف القصف خلال الأيام الأولى من العام الجديد، وتكرار الغارات والتحليق، يعيدان إنتاج مناخ مفاده أن أي انتقال لبناني إلى المرحلة التالية يجري تحت تهديد التصعيد، لا تحت مظلة تهدئة مضمونة، خصوصًا بعد الأجواء التي أعقبت لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما رافقها من حديث عن تشدد إسرائيلي ضدّ "حزب الله".
ولا يقتصر الضغط الإسرائيلي على الغارات، فالتقارير عن تدريبات قرب الحدود في كريات شمونة، وما يرافقها من تقديرات حول احتمالات توسيع العمليات، تُسهم في خلق ضغط نفسي وسياسي على الداخل اللبناني، لتبدو الحكومة وهي تحاول تقديم "إنجاز" جنوب الليطاني، وكأنها تُدفَع إلى التعامل مع احتمال ارتفاع مستوى الاشتباك، وهو ما يجعل خطر المرحلة الثانية مزدوجًا: خطر داخلي إذا فُهمت كخطوة صدامية، وخطر خارجي إذا فُهمت كخطوة بطيئة تسمح لإسرائيل بالقول إن لبنان "لا ينفّذ".
هكذا، تُواجه الحكومة ثلاثة خيارات عملية، لكل واحدٍ ثمنه، أولها "القفز السياسي" إلى إعلان المرحلة الثانية بسقفٍ عالٍ، وهو خيار يرضي الخارج لفظيًا، لكنه يعرّض الداخل للاهتزاز، وتكمن خطورته في أنه قد يحوّل الجيش إلى رأس حربة في مواجهة سياسية لا يريدها. أما الخيار الثاني، فهو "التدرّج الصامت"، أي الانتقال من خانة الإعلان إلى خانة الإجراءات المتواصلة، بحيث لا تبدو كمعركة سياسية، بل كمسار أمني طويل النفس.
يبقى الخيار الثالث، وهو "الربط المشروط"، أي أن تُعلن الحكومة إطار المرحلة الثانية بوضوح، لكن مع ربطه بشروط قابلة للقياس، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة، توفير إمكانات إضافية للجيش، وتفاهمات داخلية تمنع الاحتكاك. وميزة هذا الخيار أنه يُبقي القرار في يد الدولة، لكنه يحتاج إدارة سياسية ماهرة وقدرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة واحدة، وبجدول واقعي يحاكي الأرض، بعيدًا عن أي وعود خيالية.
لا شكّ أنّ الحكومة تريد من "إنجاز" المرحلة الأولى أن يكون شهادة على عودة الدولة، وقدرتها على تحقيق ما تعد به، لكنّ الأهمّ من ذلك يبقى كيفية منع المرحلة الثانية من التحوّل إلى "فخ". فشهادة الدولة لا تكتمل بالاحتفال بما أُنجز، بل بقدرتها على تعريف ما تستطيع فعله لاحقًا، وبأي إيقاع، وبأي غطاء، ومن دون أن يتحول القرار إلى نتيجة مباشرة لضغط الميدان.
وهكذا، تصبح "المرحلة الثانية" امتحانًا للدولة، ليس فقط لقدرتها على تنفيذ قرار، بل لقدرتها على منع القرار من أن يُكتب خارجها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|