تدخلات إقليمية لحجز موقع في سوريا الجديدة...بين قسد والجيش النظامي حرب نفوذ وسلطة على الموارد
يروي عائدون من قلب مدينة حلب التي شهدت على مدى ثلاثة أيام اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن المشهد على الأرض لا يشبه ما قبل اندلاع المعارك الأخيرة، وهو يعيد إلى الأذهان صورة الحرب التي على ما يبدو لم تخرج منها سوريا بعد خلع نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا. أما الهدوء الحذر والذي يشبّهه أهالي المدينة بصمت القبور، فلا يبشر بالخير لأنه يُنذربجولات عسكرية جديدة، وليس بحرب جديدة شاملة، تحمل معها مخاطر أكبرعلى الاستقرار في سوريا العالقة في مرحلة انتقالية دقيقة والمنطقة.
لا يمكن قراءة الإشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقوات الحكومية كحدث أمني عابر، بل كجزء من صراع بنيوي على شكل الدولة السورية الجديدة. فالحرب العسكرية الكبرى انتهت، لكن حرب النفوذ والسلطة والموارد بدأت، وسط تدخلات إقليمية تسعى كل منها لحجز موقعها في سوريا منذ ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024.
ما حصل في حلب وقبلها بأشهر في مدن سورية أخرى ليس مستغربا وفق مصادر سورية، لأن الشرارة التي تشعل المعارك من وقت إلى آخر في مدن سورية بين القوات الحكومية التابعة للحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تتحول إلى عملية تبادل اتهامات حول "من أطلق الرصاصة الأولى"؟ وليس هذا السؤال الأهم، لأن النتيجة واحدة قتلى في صفوف المدنيين الأبرياء، ودمار وخوف ونزوح جماعي.
وفي حين ترى المصادر أن ما جرى في حلب والمرجح أن يتطور في الساعات المقبلة إما عسكريا أو سياسيا، يؤكد دخول فتيلٍ محرّضٍ على خلفية التقارب بين الحكومة السورية وقوات قسد بشأن سبل وآليات تطبيق الاتفاق المبرم بينهما في آذار الماضي .
ففي 10 آذار 2025 أعلنت دمشق وقائد قوات "قسد" اتفاقاً لدمج القوات الكردية ضمن الجيش السوري الموحد وإدارة المناطق الشمالية والشرقية بشكل منسجم، لكن التنفيذ جوبه بعقبات، لا سيما حول شروط دمج مقاتلي قسد، والهيكلية العسكرية، والسيطرة على الموارد، ومعابر الحدود النفطية مما جعل التهدئة غير مستقرة وعرضة للانهيار. وتلفت المصادر إلى أن أجواء الميدان تنذر بتوسع دائرة المعارك وتحولها إلى حرب فعلية في شمال وشمال شرق سوريا بسبب فشل المفاوضات السياسية حول شكل الإدارة والاستيطان في المناطق التي تسيطر عليها قسد، وهو ما ترك نقاط خلاف مفتوحة بين الطرفين على الأرض، خصوصاً في حلب ومحيطها.
إزاء هذه التطورات يُطرح السؤال عن دور كل من الولايات المتحدة وتركيا في استيعاب هذه الحرب أو تأجيجها وفقا للمكاسب التي يطمحون لتحقيقها. وفي هذا السياق تقول المصادر أنه "بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، حاولت الحكومة السورية الانتقالية استعادة السلطة المركزية على كامل الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق سيطرة "قسد". وتم توقيع اتفاق بين الحكومة السورية و"قسد" برعاية أميركية في 10 آذار 2025 يهدف إلى دمج قوات "قسد" في الجيش السوري الموحد وضمن مؤسسات الدولة، لكن التنفيذ واجه عقبات كبرى. لكن حصل تغيّر تدريجي في الموقف الأميركي من "قسد" بعدما كانت الولايات المتحدة تلعب دورا مركزيا في تشكيل هذه القوات وتدعمها عسكريا ولوجستيا خلال الحرب على تنظيم "داعش"، بحيث ضغطت على دمشق لضمان وقف إطلاق النار والتفاوض بين الطرفين، وإذا بها اليوم تبدّل في موقفها وتعلن عن رفضها إعلان الفيدرالية كحل نهائي في سوريا، معتبرة أن الدولة يجب أن تبقى موحدة، وهو ما يُشكل ضغطًا على طموحات "قسد" في قيام حكم ذاتي موسع".
وتضيف المصادر أن "هذا التوجه يضع "قسد" أمام موقف صعب: فبعدما كانت تعتمد على الحماية الأميركية، أصبحت تطالب بإيجاد صيغة سلمية للتعايش داخل الدولة السورية، وإلا فإنها تواجه خطر المزيد من التصعيد مع دمشق".
في ما خص تركيا فإن الواضح وفق المصادر أن أنقرة تعارض تمامًا توسع وتوحيد القوة العسكرية الكردية في شمال سوريا، وتعتبرها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه كمنظمة إرهابية. وهذا ما يدفعها إلى معارضة أي ترتيبات تعزز وجود قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية كقوة مستقلة. وتشير إلى الدور الذي لعبته تركيا في فتح قنوات اتصال بين واشنطن ودمشق بهدف تجنب تفلت الأوضاع على الأرض وتحولها إلى مواجهة واسعة، وقد تكون جزءًا من تسوية إقليمية أوسع تشمل ضمانات للحدود التركية ومنع تعزيز التنظيمات الكردية المسلحة".
"الصراع الراهن بين "قسد" والقوات الحكومية ليس مجرد تطور عسكري محلي، بل هو انعكاس لجهود إعادة تشكيل سوريا بعد سنوات من الحرب، تختم المصادر. وتخلص إلى جملة تساؤلات: هل يكون مصير "قسد" الدمج الكامل داخل الدولة السورية، أم إدارة ذاتية موسعة؟ ما هي طبيعة وجودها وهل يقتصر كقوة عسكرية مستقلة أم قوة معارضة متفلتة؟ ما هو مصير حقول النفط والمعابر الحدودية وما هو دور الأمن والجيش السوري النظامي؟ ما هو مدى الدعم الدولي والإقليمي بعدما قلّصت الولايات المتحدة التزاماتها مع الحفاظ على مكاسب مكافحة الإرهاب، وهل تسعى تركيا لتأمين حدودها ومنع نفوذ الكرد العسكري، فيما تحاول دمشق استعادة السيادة على كامل البلاد".
الأجوبة رهن بالتطورات الإقليمية والتفاهمات التي ستُرخي تبعاتها على واقع سوريا الجديدة التي تعيش اليوم ساعات ما قبل نهاية المرحلة الانتقالية الدقيقة.
جوانا فرحات -المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|