الصحافة

خامنئي... المرشد "باع" ظلّه

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تختزن طريقة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وكيفية استعراضه أمام أنظار العالم، رسالة مكثفة تعيد أميركا من خلالها تعريف منطق القوّة ضمن إطار إعادة هندسة قواعد إدارة النظام الدوليّ. ورغم أن الرسالة موجّهة لكلّ الدول ومراكز القوى، الصديقة والحليفة قبل المخاصمة، إلّا أن نظام الملالي الإيراني يتصدّر لائحة المستهدفين بهذه الرسالة، حيث ضاعفت وطأة الضغوط الهائلة التي يكابدها على أكثر من صعيد.

وما مسارعة المرشد علي خامنئي إلى إطلاق عدة مواقف، من قبيل "لن نتراجع أمام العدو" و "سنركّع العدو"، خلال لقاء مع عائلات قاسم سليماني وشهداء آخرين إلّا مؤشر على ذلك، حيث أراد إظهار قدر من التماسك إزاء الرسالة الأميركية الثقيلة.

يدرك خامنئي أن الثورة الإسلامية بطبعتها الملالية استنزفت واستهلكت في شوارع بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء وأنفاق غزة، وأن تصديرها كغطاء منمّق للمشروع التوسّعي انتهى، بل ورُدّ إلى مركزه بـ "مشهد" ينطبق عليه القول المأثور "وكل ساقٍ سيُسقى بما سقى"، مع اشتعال احتجاجات شعبية عارمة خرجت من تربة تجذرت فيها روحية التوثب على نظام ديكتاتوري متحجر، وأبرز مراكز إشعاعها "بازار طهران الكبير" الذي أدّى دورًا محوريًا في الثورات التي غيّرت وجه التاريخ، مثل "الثورة الدستورية" و "الثورة الإسلامية" نفسها.

والحال أن هذه الثورة شاخت وصارت كما مرشدها في أرذل العمر، حيث يجري تدوير قياداتها الهرمة في المراكز القيادية مثل قطع الغيار المستعملة. وخامنئي في الأصل يختلف عن المؤسّس الإمام الخميني، أستاذ الفلسفة الدينية، الذي كان يتمتع بالقدرة على صياغة النظريات واستقطاب الجماهير وتأطيرها، إذ يفتقر إلى القدرة على إحداث انقلاب جذريّ في عقل نظامه وآليات تفكيره. فهو أتى إلى سدّة الإرشادية كحل موقت استحال إلى دائم.

يمسي خامنئي أكثر شبهًا بستالين، الذي كان رجل تنظيم وليس مفكرًا، اشتهر بالفظاظة، لكنه عرف كيف يرث عرش لينين ومشروع تصدير الثورة الشيوعية، من خلال براعته في استثمار التضاد بين مراكز القوى لسبك شبكة تحالفات واسعة، واستخدام القتل كأداة لترسيخ حكمه.

خامنئي ورث من سلفه تصدير الثورة، واقتبس من حافظ الأسد سياسة تجميع الأوراق من خارج الجغرافيا لحماية النظام. لكنه لم يعد يملك أوراقًا للمقايضة في "البازار" السياسي المفتوح منذ نجاح الثورة، ولا الوقت للمناورة. لذا طفق يتخلى عنها واحدة واحدة لإطالة عمر نظامه، من غزة مرورًا باليمن وصولًا إلى لبنان وسوريا. بقي لديه شيء من "حزب اللّه" يمكن استثماره في الساحة الداخلية لافتعال الضجيج الموصل إلى الطاولة، وقطعة كبرى في العراق على تماس مباشر مع الأمن القومي الإيراني.

يدرك المرشد أنه فقد ظله الضخم الذي كان به يرهب ويهدّد القوى الإقليمية والدولية لإبرام مقايضات رابحة. كما يعلم أن النظام والشعب يعانيان من حالة اختناق متبادل ستنفجر حال العودة إلى الجغرافيا الإيرانية. بيد أن ترامب وضعه وملاليه أمام خيارين وجوديين: الخضوع أو الزوال.

قبيل اندلاع الاحتجاجات، قرّر الملالي التصعيد في الساحة اللبنانية عبر عرقلة انتقال عملية سحب السلاح إلى شمال الليطاني، بغية جذب الآلة الحربية الإسرائيلية نحو "الحزب" وإبعادها عن النظام. وهذا ما يمكن ملاحظته في إيقاع قيادات الأخير، وخصوصًا أمينه العام الذي راح يمعن في التحدّي كمن يستفز عدوّه عمدًا ويستدرجه إليه.

يغدو هذا التوجّه بيعًا من المرشد لـ "حزبه" الإلهيّ، إنما هذه وظيفته الأصلية، فهو أسّس ليكون قاعدة دفاع متقدّمة، ضمن عقيدة للأمن القومي ترتكز في الدفاع عن النظام خارج جغرافيته "نقاتلهم في لبنان وسوريا كي لا يقاتلونا في إيران".

وهنا بالضبط تبرز مشكلة عقل الملالي في ظلّ عجزه الواضح عن التكيّف مع المتغيّرات والقواعد الجيوسياسية الجديدة. إذ لم يلتقط ذاك العقل أبعاد استهداف الضربات الإسرائيلية قواعد عسكرية في مدن ذات هوية عرقية غير فارسية، حيث طالت أصفهان، مدينة التصنيع العسكري وعاصمة الصفويين، والتي تضمّ إلى جانب الأكثرية الفارسية مزيجًا عرقيًا واسعًا يشتمل على اليهود والمسيحيين والأرمن والجورجيين.

بالإضافة إلى "خوزستان" و "عيلام" في "الأحواز" العربية، و "كرمنشاه" و "قصر شيرين" ذواتي الأكثرية الكردية، و "تبريز" الآذرية، و "خرم أباد" و "بروجرد" بأغلبيتهما المنتمية لعرقية "اللور". زد عليها التوتر مع "البلوش" في "سيستان وبلوشستان" منذ عقود بفعل الاضطهاد. ومن الملاحظ أن الضربات ركّزت على المدن القريبة من الحدود العراقية، والتي تعرف بكونها الخاصرة الأضعف للهضبة الفارسية تاريخيًا.

هذه الضربات كانت بمثابة عملية إزالة حاجز معنويّ وأداة قمع وترهيب، وأدّت دورًا بارزًا في تحفيز الاحتجاجات. تزامن توقيت انهيار العملة مع زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض ليس صدفة، بل جزءًا من أدوات الضغط التي يبرع في توظيفها ترامب ضمن استراتيجية تزداد المؤشرات بأن هدفها النهائيّ التخلّص من نظام الملالي إمّا بحملة عسكرية، وإمّا بالتفتيت من الداخل، وربما بكليهما، وقبله "حزبه"، الذي يقدّم نفسه وجمهوره كـ "قرابين" لحماية من يعدّ الخطط للفرار بنفسه إلى روسيا.

سامر زريق- نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا