محليات

الرواية الحقيقية لخروج البعريني من “الاعتدال”: الحسابات الانتخابية قبل “أبو عمر”

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن خروج النائب وليد البعريني من تكتل “الاعتدال الوطني” نتيجة موقف مبدئي أو اعتراض سياسي مفاجئ، كما حاول الإيحاء لاحقاً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من التباينات الداخلية والحسابات الانتخابية التي باتت تحكم العلاقة بين عدد من نواب التكتل، ولا سيما في عكار.

فبعيداً من الرواية التي جرى تسويقها وربطها بملف “أبو عمر”، تشير المعطيات إلى أن البعريني كان يدرك مسبقاً أنه لن يكون ضمن اللائحة الانتخابية التي يعمل عدد من أعضاء التكتل على بلورتها في عكار، على خلفية خلافات عميقة مع نواب يشكّلون الرافعة الأساسية للأصوات داخل التكتل، وفي مقدّمهم النائب محمد سليمان والنائب السابق هادي حبيش. هذا الواقع دفعه إلى البحث عن “مخرج سياسي” منظّم، فوجد في بيان النائب أحمد رستم لاحقاً فرصة لتحويله إلى شماعة تبرّر خطوة كانت محسومة سلفاً.

في هذا السياق، تفيد المعطيات بأن البيان الأول الذي صدر عن النائب أحمد الخير شكّل نقطة توتر حقيقية داخل التكتل، إذ اعتبره عدد من الأعضاء مزايدة سياسية وتضمّن معلومات غير دقيقة، فضلاً عن كونه خرقاً للتفاهم القائم بعدم نقل النقاشات الداخلية إلى العلن. وقد أبدى كل من النائب محمد سليمان والنائب سجيع عطية، إلى جانب أعضاء آخرين، انزعاجهم من هذا المسار، ليس من باب الخلاف السياسي بحد ذاته، بل لأنهم رأوا فيه خروجاً عن منطق التوافق ومحاولة تسجيل نقاط إعلامية لا تخدم التكتل.

غير أن البعريني، بدلاً من السعي إلى احتواء الخلاف، ذهب أبعد في التصعيد، مستفيداً من المناخ المتوتر، ليقدّم انسحابه على أنه موقف احتجاجي، فيما كانت الوقائع السياسية تشير بوضوح إلى أنه بات خارج الحسابات التنظيمية والانتخابية للتكتل. وهو ما تُرجم عملياً بإعلانه الانسحاب بنفسه، في خطوة وصفتها مصادر مواكبة بأنها أقرب إلى “تغدّى الشباب قبل ما يتعشّوه”.

أما النائب سجيع عطية، الذي حاول في مرحلة سابقة لعب دور الوسيط للحفاظ على وحدة الصف، فقد استقرّ في نهاية المطاف ضمن التكتل، في ظل قناعة عامة بأن مرحلة التسويات الداخلية انتهت، وأن إعادة لملمة الخلافات لم تعد ممكنة، خصوصاً بعد حسم الاتجاه الانتخابي في عكار.

وفي ما يتصل بملف “أبو عمر” ودوره في تسمية الرئيس نواف سلام ودفع التكتل نحو هذا الخيار، تؤكد المعطيات أن الحسم لم يكن نتيجة تدخله، بل جاء استجابة لقرار نيابي من كتل وازنة تلبية لرغبة فرنسية مباشرة. فقد تبيّن لأعضاء التكتل، عند الساعة الواحدة من يوم الاستشارات النيابية، وقبل موعدهم عند رئيس الجمهورية بساعتين، أن قرار التسمية خرج من إطار النقاش الداخلي، بعدما أُبلغوا عبر اتصالات مباشرة مع الوزير السابق وائل أبو فاعور ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أن خيار تسمية سلام حُسم استجابة لإرادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأن كتلتي “اللقاء الديموقراطي” و“لبنان القوي” تتجهان لتسميته.

هذا المعطى فجّر انقساماً داخل التكتل بين من دعا إلى اعتماد الورقة البيضاء تفادياً للإحراج السياسي، وبين من تمسّك بتسمية الرئيس نجيب ميقاتي، وهو الخيار الذي كان يحظى بتأييد غالبية أعضاء التكتل في تلك المرحلة. غير أن اتصال “أبو عمر”، الذي قُدّم على أنه أمير من الديوان الملكي السعودي، ساهم في زيادة عدد الأصوات المؤيدة لسلام، ومن بينها أصوات تكتل “الاعتدال”، لكنه لم يكن العامل الحاسم، إذ إن القرار السياسي كان قد اتُّخذ مسبقاً.

لاحقاً، ومع انفجار قضية “أبو عمر” واستدعاء عدد من نواب التكتل إلى التحقيق أمام المدعي العام التمييزي القاضي جمال الحجار، خرجت الخلافات المكتومة إلى العلن، وتحوّلت التباينات السياسية إلى أزمة بنيوية. عندها تُرجمت الوقائع بانسحاب النائبين وليد البعريني وأحمد رستم، في مؤشر واضح على سقوط القدرة على الاحتواء من داخل التكتل.

وفي هذا الإطار، جاء بيان النائب أحمد الخير، الذي أوضح فيه تفاصيل ما جرى خلال اجتماع التكتل والاتصال الذي تلقاه النائب محمد سليمان من “الأمير المزعوم”، مؤكداً أنه بادر فوراً إلى التواصل مع السفير السعودي وليد بخاري، ثم لاحقاً مع الأمير يزيد بن فرحان، لوضع الوقائع في سياقها الصحيح، ونفياً لأي صلة رسمية سعودية بما جرى. وقد شدّد الخير على ثقته بأن مسار التحقيق سيكشف الحقائق كاملة ويحاسب جميع المتورطين.

الخلاصة أن ما جرى داخل “الاعتدال الوطني” لم يكن انهياراً مفاجئاً ولا نتيجة بيان واحد أو ملف واحد، بل نتاج تراكمات سياسية وانتخابية. أما خروج البعريني وأحمد رستم، فكان تعبيراً عن واقع جديد: تكتل يعيد ترتيب صفوفه استعداداً للاستحقاقات المقبلة، في مقابل نواب باتوا خارج هذا المسار، مهما حاولوا تقديم خروجهم على أنه خيار مبدئي أو أخلاقي.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا