بعد عام على انتخابه رئيساً...عون: لن نسمح لأي إنسان أن يأخذ لبنان إلى مكان لا نريده
معادلة عون-حزب الله في عامها الأول: تقدم العهد وتراجع السلاح
نجح رئيس الجمهورية جوزاف عون في أن يعبر السنة الأولى من عهده برسم هامش واسع من التحرك في إدارة الحكم والبلد، ينبع في الدرجة الأولى من تمكنه من أخذ المسافات الدقيقة بين الأطراف اللبنانية كافة، لا مال إلى الذين اعتقدوا أنهم قاعدة دعمه في تبوؤ سدة الرئاسة، ولا ابتعد عن الذين ظنوا أنهم غالوا في مجابهة منعه من تحقيق هذا الأمر.
لانت سريرة قائد الجيش السابق الذي كان أكثر حدة وأقل مرونة، وتحرر من الروابط المثقلة بالحاجة إلى الدعم الخارجي في العبور من المؤسسة العسكرية، من وضعها المأزوم مادياً ولوجستياً، وتدوير زوايا العلاقات ذات التحالفات السياسية والأيديولوجية، والاتجاه صوب الواقعية والتأقلم المتاح مع حجم تبدل الأمور الخارجية والتغييرات الإقليمية التي تتجه إلى إعادة رسم الخرائط السياسية وربما الحدود الجغرافية، وهو جاء بعد حرب هي الأعتى والأقسى في تاريخ لبنان الحديث، وقد تجاوزت في تداعياتها الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982، حيث اشتدت السطوة الأميركية وزادت ضغوطها بشكل مختلف عن السابق مع تغيير قواعد اللعبة والاستباحة الإسرائيلية للسيادة اللبنانية وتكثيف اعتداءاتها المتكررة يومياً.
ترافق ذلك مع تبدل في المشهد الداخلي لجهة السيطرة على صناعة القرار ودخول لاعبين جدد لم يكن باستطاعتهم أن يؤدوا سابقاً أي دور ذي ثقل أو تأثير فاعل، فكانت حكومته الأولى مع نواف سلام الذي بدأ في الفترة الأولى كأنه لا يكترث أو لا يقرأ في كتب السياسة اللبنانية الداخلية، مع ميل شديد إلى محاكاة الاتكال على المجتمع الدولي والغربي، قبل أن يعود أدراج أسلافه السابقين في إدارة شؤون الحكومة على الطريقة اللبنانية أو خصوصيتها.
العلاقة مع بري هي الأساس
استطاع عون أن يمد خطوط تواصل شديدة المتانة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي خصه بزيارات متكررة وشبه دائمة، على عكس رؤساء الجمهورية السابقين حيث اتسمت علاقة رئيس المجلس معهم بالبرودة في أغلب الأحيان، وعلى عكس حميميتها والتجانس الكيميائي بين الرئيسين بري وجوزاف عون، وهذا ما سهّل إدارة الأمور وعزز مساحة التفاهم بينهما.
وفي علاقته مع حزب الله، غدا جوزاف عون الرئيس أكثر فهماً وأكثر قرباً من جوزاف عون قائد الجيش، ولربما أن الاعتداءات الإسرائيلية اليومية والمتكررة على سيادة لبنان وعلى عناصر الحزب، عدا عن عدم إظهار حكومة بنيامين نتنياهو أي نوع من المهادنة أو الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ولا سيما القرار 1701 الذي تنتهكه إسرائيل على مدار الساعة بشهادة اليونيفيل وإقرار لجنة الميكانيزم بذلك، جعلت عون أكثر براغماتية، وسلّك أمور إدارة البلاد بالتي هي أحسن، والالتزام بهذا القرار على ما نفذه لبنان في المرحلة الأولى والتي أبدى الجميع الارتياح لهذا الالتزام وإن كان بشكل متفاوت، مقابل التعنت الإسرائيلي الذي يعيش نشوة فائض القوة مترافقاً مع دعم أميركي غير محدود.
نجح جوزاف عون في سنته الأولى بأنه حيّد الأخصام ووضع حدوداً للحلفاء، وقد حقق ما لم يحققه الآخرون من رؤساء الجمهورية في سنوات عهودهم الأولى.
استطاعت الحكومة أن تجري تعيينات إدارية وتشكيلات قضائية بقيت لسنوات طويلة محل جدل وخلاف شديدين، عدا عن تحييد لبنان قدر المستطاع وحتى الآن من الانزلاق إلى حروب واعتداءات إسرائيلية قد تكون شديدة القسوة والنتائج المأساوية، بالرغم من أن لبنان والمنطقة ككل يمران اليوم بمرحلة إعادة التكوين الكبرى، وهي على فالق الزلازل في التغييرات البنيوية والجوهرية والتبدل الجذري في حكم المنطقة على وقع التمدد والتقلص في غياب أحلاف ومحاور وبروز وحضور أحلاف ومحاور أخرى.
منذ انتخابه، تحاول كل جهة في لبنان أن تحدد علاقتها مع رئيس الجمهورية بالشكل الذي يتناسب مع مصالحها أو مواقفها ورؤيتها الذاتية لمصلحة البلد. كل طرف يريد "دوزنته" على مقاسه، وأن يُظهر نفسه في موقع من "يمون" على الرئيس أكثر من غيره، وإذا فشل في ذلك رفع صوت انتقاداته محاولاً ممارسة دور الوصي على الرئاسة بحجة أن وصول عون إلى بعبدا كان بفضله. كل حزب في لبنان يُمَنِّن عون ضمناً على أنه كان الكفة المرجِّحة لتأمين انتخابه، وكثيرون يصوّرون أنفسهم على أنهم الجيش الضارب بسيفه في مجلس النواب لاحقاً.
الحوار رغم الاختلاف مع الحزب
بدراية يتعاطى حزب الله مع عون. يبتعد عن السجالات الإعلامية مع الرئاسة الأولى، ويعبّر عن اعتراضه غالباً بطول الغياب وانعدام التواصل، وكذلك يفعل الرئيس. موفده إلى حزب الله، العميد ديديه رحال، يعرف كيف ينسج حواراً غايته تجنيب البلد المزيد من الخضّات، يغلب عليه منطق المصارحة والمسؤولية.
بدأت العلاقة منذ أن كان عون قائداً للجيش، ومع انتخابه ساد تفاهم متبادل تبلور في يوم جلسة الانتخاب.
من وجهة نظر حزب الله، فإن العلاقة، ورغم نقاط الاختلاف، يسودها منطق الحوار الذي لم ينقطع. وما أعطى العلاقة مساحة من الاستقرار أن علاقة بري مع عون جيدة أيضاً، ما خلّف انعكاساته الإيجابية على البيئة الشيعية العامة. وحتى حين يسود الخلاف في وجهات النظر، يبتعد الطرفان عن السجالات الإعلامية.
يعتبر حزب الله أن موقف عون ساهم في بلورة الصيغة التي أُعلنت بخصوص جنوب الليطاني، وجنّب البلد ما كان يمكن أن تولّده هذه المعالجة لو لم تكن هناك تفاهمات وثقة متبادلة وتواصل مستمر يخدم هذه العلاقة ويضعها في سياقها الطبيعي.
سنة رئيس الجمهورية الأولى كانت مثقلة بالتحديات، لا سيما في ظل الاحتلال الإسرائيلي المتواصل، وعدم تلقي لبنان مساعدات خارجية بالرغم من الوعود، واستمرار الضغوط عليه بشأن حصرية السلاح، إلى حد مطالبته بسحب سلاح حزب الله ولو بالقوة، وهو ما يعتبره عون خطاً أحمر، مدركاً تماماً حساسية الوضع وما يمكن أن يترتب عليه أي تصادم داخلي، وهذا ما يحرص على تأكيده للموفدين الدوليين إليه.
في المقابل، يثمّن حزب الله علاقته مع عون. ينظر إلى عامه الأول بتفاؤل ويبني عليه. هي من المرات النادرة التي يجد حزب الله نفسه مضطراً للتماهي مع الضغوط لجدّيتها، إذ ليست سهلة تنازلاته في ملف السلاح. قبل النقاش بشأنه، ثم حصريته بالدولة جنوب الليطاني، ولن يكون صدامياً في التعاطي مع الجيش شمال الليطاني.
بينه وبين الرئيس علاقة بين طرفين يتجنب كلاهما التصادم مع الآخر. يحاور عون الحزب، فإن كان مرِناً نجا ونجا لبنان، وإلا فليتحمّل مسؤولياته. ويحاور حزب الله عون ويحتمي خلف الدولة في ما تقرره، وعينه على المتغيرات في المنطقة.
كانت سنة حصرية السلاح بامتياز. تراجع فيها حزب الله وتقدم العهد.
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|