نفي عون للحرب طمأنة أم رهان استراتيجي؟
في وقت ترتفع فيه نبرة الخطاب التهديدي الاسرائيلي، في ظل الغموض وتضارب المعطيات الواردة من واشنطن، سواء لجهة نتائج قمة ترامب - نتانياهو، او الموقف من القرارات والبيانات اللبنانية الاخيرة، تزامنا مع تصعيد الغارات بين شمال الليطاني وجنوب الاولي، كخط تماس مفتوح على كل الاحتمالات، يكرر رئيس الجمهورية في الخفاء والعلن، بثبات لافت "ان شبح الحرب الإسرائيلية ابتعد عن لبنان".
جملة واحدة، تحمل الكثير من الدلالات السياسية والأمنية والنفسية تتجاوز ظاهرها، وتستحق التوقف عندها والتساؤل حولها، اذ حين يقول رأس الدولة هذا الكلام، في بلد اعتاد أن تُعلن الحروب عليه من الخارج، وأن تُدار أزماته من الداخل، يصبح السؤال مشروعا: هل هو اطمئنان مبني على معطيات صلبة؟ أم محاولة لشراء الوقت في سباق مع المجهول؟
يقول زوار بعبدا ممن يلتقون الرئيس عون باستمرار، ان موقفه ينطلق من قراءته لميزان الردع القائم، حيث يشير الى ان لبنان لا يزال جزءا من معادلة ردع إقليمية معقدة، عنوانها الأساسي أن أي حرب شاملة مع "إسرائيل" لن تكون محدودة جغرافيا ولا زمنيا، حيث تدرك "إسرائيل" أن فتح جبهة لبنان ، يعني الانزلاق إلى مواجهة متعددة الجبهات، في وقت لا تزال فيه منشغلة بتداعيات حروبها الأخيرة، وبأزماتها الداخلية السياسية والعسكرية.
ويشير الزوار الى ان ثمة بُعدا غير معلن في الكلام، يتحفظ الرئيس عن الافصاح عن تفاصيله، يتعلق بـالهامش الدولي المتاح للدولة اللبنانية، مستدركا بأن لبنان لا يملك قرار الحرب ولا أدوات منعها، لكنه يملك خطاب الدولة القادرة على تحميل مسؤولية أي تصعيد محتمل للطرف الآخر، سياسيا وديبلوماسيا.
الزوار الذين يؤكدون ان علامات الراحة والاطمئنان بادية بوضوح في كلام الرئيس، يكشفون ان المعلومات المتوافرة لدى بعبدا، من تقاطعات اتصالاتها بعواصم القرار، تؤكد ان المرحلة الحالية عنوانها الجمهورية الاسلامية، حيث ثمة قرار اميركي – "اسرائيلي" باولوية هذا الملف، على ما عداه من ملفات المنطقة. وبالتالي فان التحضيرات الجارية سياسيا واعلاميا وعسكريا، تؤكد بان الضربة المحتملة ستكون ساحتها حتما ايران.
ويتابع الزوار، بان هذه المعلومات دفعت بالرئاسة الى اطلاق سلسلة من الاتصالات والنقاشات، بعيدا عن الاعلام على اكثر من صعيد، لتحييد الساحة اللبنانية عن اي تداعيات، حيث تلقت بعبدا "تطمينات معينة"، بان لا جبهات اسناد جديدة، وان بعض التصريحات التي تطلق من هنا وهناك، تندرج في اطار المواقف المبدئية والاخلاقية، وهو ما يتقاطع مع كلام المح اليه وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، مفاده ان طهران قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها.
ويختم الزوار بان عون يتصرف من منطلق المسؤول عن الحفاظ على ما تبقى من استقرار مالي ومن ثقة، وبالتالي من واجبه ضبط الإيقاع الداخلي، ومنع الانزلاق إلى فوضى نفسية واقتصادية، قد تكون أخطر من الحرب نفسها. فهو يعرف جيدا أن الخوف أخطر من الصواريخ، وأن الذعر إذا تسلل إلى الشارع، قد يفعل بلبنان ما لم تفعله الحروب. من هنا، يتحول نفي الحرب إلى سياسة بحد ذاته، وإلى محاولة لفرض سردية رسمية، في مواجهة سيل التحليلات السوداوية والتوقعات الكارثية.
بين طمأنة الداخل وقراءة الخارج، يقف جوزاف عون على حبل مشدود. هو لا يملك ترف المبالغة ولا قدرة التصعيد، لكنه يملك مسؤولية الحفاظ على الاستقرار النفسي والسياسي للبنانيين، الذين يعيشون على حافة الانهيار الشامل. لذلك، فإن عبارة "لا حرب" ليست وعدا ولا نبوءة، بل إعلان وتأكيد بان الدولة تسعى للبقاء خارج العاصفة قدر الإمكان، "فلبنان ليس منصة حرب ولا مشروع مواجهة مفتوحة"، على ما يردد عون دوما.
فهل تنجح سياسة الطمأنة في تأجيل الانفجار؟ أم أنها مجرد هدنة لفظية في انتظار اختبار النار؟
ميشال نصر -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|