عون لـ"الحزب": تعقّلوا.. إما في الدولة أو خارجها
رسم الرئيس جوزاف عون في اطلالته المتلفزة، بمناسبة الذكرى الثانية لتوليه الرئاسة الأولى، خريطة طريق واضحة لإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس سليمة. ما قدمه عون لم يكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل رؤية متكاملة لإخراج لبنان من نفق الأزمات المتراكمة نحو دولة المؤسسات والسيادة.
• شجاعة المواجهة وصدق التشخيص
نجح عون في كسر جدار الصمت والمواربة الذي طالما ميّز الخطاب السياسي اللبناني. بشجاعة نادرة، وضع الأصبع على الجرح الحقيقي: «السلاح خارج إطار الدولة لم يعد أداة حماية، بل تحوّل إلى عبء على لبنان وبيئته الحاضنة».
تشخيص عون دقيق وموضوعي. فقد اعترف بالسياق التاريخي الذي نشأ فيه هذا السلاح، مؤكداً أنه وُجد لمهمة معينة في ظروف غياب الدولة. لكنه أكد، بواقعية وحكمة، أن تلك الظروف لم تعد قائمة، وأن استمرار الوضع الراهن يهدّد مستقبل لبنان واستقراره.
مخاطبته المباشرة لحزب الله جاء حاسماً لكنه عقلاني: «آن الأوان لكي تتعقلنوا، إمّا أنتم في الدولة عن حق وإما لستم بها». هذا ليس تحدّياً أو استفزازاً، بل دعوة صريحة للانخراط الكامل في مشروع الدولة، مع تأكيد استعداد المؤسسات لتحمّل مسؤولياتها الكاملة.
• حصر السلاح قرار سيادي وطني
من أهم ما في موقف عون تأكيده على أن حصر السلاح بيد الدولة هو مطلب داخلي أصيل، منصوص عليه في اتفاق الطائف، وليس إملاءً خارجياً أو خضوعاً لضغوط دولية. هذا التأطير الذكي ينزع عن المسألة طابعها الاستقطابي ويضعها في سياقها الدستوري الصحيح.
عون قدّم رؤية واضحة: دولة واحدة، سلاح واحد، قرار واحد. هذا ليس شعاراً سياسياً، بل الأساس الوحيد الذي يمكن أن تُبنى عليه دولة حقيقية. وشموليته في تطبيق القرار على جميع المجموعات المسلحة، بما فيها الفلسطينيون في الجنوب، يعكس جدية وعدالة النهج.
• سيادة حقيقية
رسالة عون الواضحة لإيران بعدم التدخّل في الشؤون اللبنانية تمثل نقطة تحوّل في الخطاب السيادي اللبناني. لعقود، ظل السياسيون اللبنانيون يتنقلون بين العواصم الإقليمية والدولية بحثاً عن الرضا والدعم، متخليّن عن استقلالية القرار.
عون يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة؛ القرارات المصيرية تُتخذ في بيروت، من قبل المؤسسات اللبنانية الشرعية، وفي خدمة المصلحة الوطنية العليا. هذا الموقف لا يعني العداء لأي طرف إقليمي، بل يعني احترام الحدود والأدوار، وبناء علاقات على أساس النديّة لا التبعية.
• الجيش رهان واقعي وضمانة مستقبلية
دعوة عون لحزب الله بأن يضع يده بيد الدولة ليست خياراً ساذجاً، بل الحل العقلاني الوحيد. صحيح أن الجيش اللبناني يواجه تحديات على مستوى التمويل والتسليح، لكن هذه تحديات قابلة للحل بالإرادة السياسية والدعم الوطني والدولي.
الأهم من القدرات العسكرية اللحظية هو المبدأ، دولة تحتكر السلاح والقرار. بناء القوة العسكرية عملية تراكمية يمكن إنجازها، أما بناء الدولة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة فمستحيل. عون يضع الأولويات في نصابها الصحيح.
• واقعية في التعامل مع التحدّيات
عون لم يتجاهل التعقيدات والتحديات. إشارته إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية تعكس فهماً واقعياً للوضع الأمني. لكنه في الوقت ذاته أكد أن شبح الحرب الكبيرة أبعد الآن، وهذا يفتح نافذة فرصة للإصلاح الداخلي.
التعامل مع التهديد الخارجي لا يكون بتعدد السلاح وتشتت القرار، بل بتوحيد الجهود تحت سقف الدولة الواحدة.
• سياق إقليمي داعم
مقابلة عون تأتي في سياق تحولات إقليمية عميقة تفتح مجالاً حقيقياً للتغيير في لبنان. المعادلات القديمة تتغير، والفرصة سانحة لإعادة بناء الدولة على أسس صحيحة. عون يدرك هذا التوقيت الحساس ويستثمره بذكاء.
• دعوة للإجماع الوطني
ما يميّز خطاب عون أنه لا يستهدف فريقاً ضد آخر، بل يدعو الجميع للالتفاف حول مشروع الدولة. رسالته واضحة: لبنان يتسع للجميع، لكن ضمن إطار المؤسسات الشرعية والقانون.
هذه الروح التوافقية، المقترنة بالوضوح والحسم، تعكس نضج القيادة وقدرتها على بناء الإجماع حول القضايا المصيرية. عون لا يبحث عن انتصارات سياسية ضيقة، بل عن إنقاذ وطن.
• قيادة المرحلة
ما قدّمه الرئيس عون ليس مجرد خطاب، بل خارطة طريق واضحة المعالم لبناء لبنان الدولة.
التحديات كبيرة لا شك، لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة، لدينا رئيس يمتلك رؤية واضحة وشجاعة لطرحها. المطلوب الآن هو المساندة الشعبية والسياسية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع.
عون يفتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان. صفحة الدولة القوية السيادية. وهذا ما يحتاجه لبنان اليوم: قيادة لا تخاف من قول الحقيقة، ولا تتردد في مواجهة التحديات، ولا تساوم على السيادة والمؤسسات.
زياد عيتاني - اللواء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|