لا مرقد عنزة لنا بين أميركا و"إسرائيل"
وسط هذه الأهوال التي تعصف بالشرق الأوسط، يزداد الحصار على حزب الله من كل المستويات، وعلى كل المستويات، كما لو أن هناك خطة يتقاطع فيها الداخل مع الخارج، لاستدراجه الى التفجير، خصوصاً بوجود من ضاقوا ذرعاً بمن يتعاملون معه، كما لو أنه حالة طارئة، أو كوكبة من الرجال الذين هبطوا من كوكب آخر، وليست بالظاهرة الفذة التي انتجتها سنوات مريرة من الاحتلال، بغياب مطبق من الدولة، وبتواطؤ معيب بين قوى محلية والاحتلال، ودون أن تتخلى هذه القوى عن مسارها ، بالرغم من السياسات الهيستيرية للدولة العبرية...
ديبلوماسي عربي مخضرم يشيع بأنه كان يفترض بالحزب أن يدعو الدولة اللبنانية، التي أعاد اليه قرار "السلم والحرب" الى عقد اتفاقية سلام مع "اسرائيل"، لا الاكتفاء بعقد اتفاق لوقف النار، لأن مجريات الحرب الأخيرة، وبتدخل أميركي مكثف ومباشر، أظهرت أنه من المستحيل تأمين التوازن العسكري في حال من الأحوال، لا بل أن الهوة تزداد يوماً بعد يوم بالتقدم الاسرائيلي في مجال التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية، وبالدعم الأميركي الذي لاحدود له.
في رأيه أن حزب الله يدور في حلقة مقفلة، مع الاستنزاف الجوي الاسرائيلي لعناصره العسكرية النوعية، ودون أن يقتصر ذلك على جنوب الليطاني أو جنوب الأولي. الغارات وصلت الى الحدود اللبنانية مع سوريا. ثم يعطي السفير مثالاً العلاقات الفرنسية ـ الألمانية. الفوهرر احتل باريس وارتكب الفظائع في الأنحاء الفرنسية ، وبالرغم من ذلك ينضوي البلدان الآن في اطار اتحادي، وفي حلف عسكري، حتى أن الرئيس فرنسوا ميتران دعا طائرات ألمانية للمشاركة في العرض الجوي، الذي يقام في العيد الوطني الفرنسي، لتعود العلاقات بينهما كما لو أن ساحة راندنبورغ في برلين امتداد لساحة التروكاديرو في باريس!
لا مجال البتة لهذه المقارنة. ألمانيا خرجت محطمة من الحرب. غانتر غراس، الحائز نوبل للآداب، كتب "لا تقرعوا الطبول الا لعشاق الحياة بعد الآن، وهم حتماً عشاق ألمانيا"، كما أن كونراد اديناور، أول مستشار للبلاد بعد الحرب، قال "لنصنع من هذا الحطام حديقة لأمواتنا". هنا نتنياهو بالجنون التوراتي (ألم يكن "يهوه" مجنوناً ايضاً؟). زادته الحروب وزاده البيت الأبيض جنوناً ، حتى أنه لم يتورع عن ضرب محيط القصر الرئاسي في دمشق، حيث الرئيس أحمد الشرع رفع الرايات البيضاء أمام دبابات ايال زامير، وهي تجثم عند أبواب المدينة، كما ضرب الدوحة التي طالما حافظت على خطوط التواصل مع "تل أبيب"...
رئيس الحكومة الاسرائيلية قال بتغيير الشرق الأوسط، ليلاقيه السفير الأميركي في أورشليم مايك هاكابي بالقول "... بأبعاد توراتية"، لا بل أن نتنياهو رفع خريطة "اسرائيل الكبرى" من منبر الأمم المتحدة في نيويورك، ليؤكد في وقت لاحق أنه بمهمة روحية، أي بـ"أرض الميعاد" التي تمتد من النيل الى القرات، وربما من المتوسط الى قزوين.
كل المنطقة داخل التسونامي الأميركي ، وأمام "التسونامي الاسرائيلي" أيضاً. لا مانع لدى الدول العربية من أن تتعرى حتى من عظامها، لكي تنشغل بالحروب في ما بينها أو بالحروب داخل الدولة الواحدة. مايك والتز، مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، قال "بعد فنزويلا كل العالم"... هكذا لانبعاث "أميركا العظمى" بادارة كل ثروات البشرية.
لكن اللافت هنا، أن قرار دونالد ترامب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمرك، أحدث دوياً داخل دول حلف الأطلسي (بعد غرينلاند جزر الفوكلاند البريطانية ؟). صحيفة "تلغراف" اللندنية كتبت أن بريطانيا التي طالما اضطلعت بدور الظل للولايات المتحدة، حتى أن جون بولتون وصف بفظاظة الملكة اليزابت بأنها "من محتويات البيت الأبيض"، تجري محادثات مع حلفاء اوروبيين، للبحث في بناء قوة عسكرية في الجزيرة ذات الحساسية الجيوستراتيجية الفائقة. هل يعني ذلك اعلان أوروبا الحرب على أميركأ؟
هكذا بعبارة واحدة من دونالد ترامب، تحول العداء الأوروبي من الكرملين الى البيت الأبيض. تصوروا أن يصف أفضل حلفائه بأسوأ أعدائه ، ما يعني أن الرئيس الأميركي الذي يعمل لـ "أميركا العظمى"، لا يرى ضيراً أن تذهب القارة العجوز اما الى مأوى العجزة أو الى المقبرة، بعدما كانت دولها قد سارت وراء واشنطن في حرب أوكرانيا، الى حد الاستزاف التام لامكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وسط تلك الفوضى الأبوكاليبتية التي تسود العالم الآن، وكذلك الشرق الأوسط الذي يقول البريطاني ديفيد هيرست انه "يتمزق، كما لو أنه يقترب من يوم القيامة". أي قيامة تلك في ظل استشراء الثقافة القبلية والثقافة الطائفية، وفي القرن الذي لم يعد حلبة للصراعات الكبرى فحسب، بل وللاحتمالات الكبرى أيضاً؟
لعل نقطة الضوء (الشاحبة) في هذا النفق، الذي اقرب ما يكون الى "الكوميديا الالهية" لدانتي، قول اسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية، "ان قنوات التواصل مفتوحة مع الولايات المتحدة"، ولكن في التصريح نفسه اتهام واشنطن و"تل أبيب" بـ"الحرب الارهابية ضد ايران".
ad
كما أن ما يثير الذهول ما بثته قناة 24 NEWS من أن اتفاقاً جديداً للتعاون الأمني بين أميركا و"اسرائيل" قد يوقع خلال أسابيع، كما لو أن التماهي الاستراتيجي والعملاني يبن البلدين يحتاج الى ما هو أكثر، وحيث لا مرقد عنزة لنا، لنتوقع ما هو أشد سوءاً. ما هو أشد سوءاً أم ما هو أشد هولاً...؟!
نبيه البرجي -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|