كيف تتفادى إيران الجنون الأميركي؟
إنها أميركا. أين الكابيتول، حيث يوصف السناتور لندسي غراهام بـ"مؤخرة دونالد ترامب في الكونغرس؟ وأين البنتاغون، حيث يبدو وزير الدفاع بيتر هيغسيث وكأنه "طباخ الجنرالات"؟ وأين وزارة الخارجية، حيث لا يستطيع ماركو روبيو الذي أثقلته تلك الكمية من المبعوثين، أن يعترض على مورغان أورتاغوس، وهي تمارس الديبلوماسية على طريقة جنيفر لوبيز؟ حتى أن رئيس مجلس الاحتياط الفديرالي (المصرف المركزي) جيروم باول، يمثل أمام المحقق الجنائي. التهمة عدم الاذعان للقرارات العشوائية التي تصدر عن البيت الأبيض!
وانه العالم. أين هو مجلس الأمن الدولي؟ أنطونيو غوتريتش لا يستبعد أن يصادر دونالد ترامب المبنى الزجاجي في نيويورك، ويلحقه ببلدية المدينة، لأن المجلس بات عاطلاً عن العمل. حتى أن روسيا والصين يتفاديان المواجهة معه، خشية السقوط من التاريخ، وربما من الجغرافيا أيضاً...
واذا كانت الديانات المنزلة تقول باله واحد للكونـ، فان الرئيس الأميركي أعلن نفسه الهاً للعالم. هذا ما يثير حيرة رئيس الحكومة الفرنسية السابق دومينيك دو فيلبان، حول اذا كان ترامب قد انتزع صلاحيات الله؟ أم صلاحيات الشيطان؟ أم صلاحيات الاثنين معاً؟ نستذكر ما كتبته "اسرائيل هيوم" بعد سوريا ايران: "الآن بعد فنزويلا، ايران التي تستحوذ على تفكير ترامب الذي أعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على أي دولة تتعامل تجارياً مع ايران"، واصفاً القرار بـ "النهائي والملزم والذي يطبق فور صدوره".
بيانات البنك الدولي تظهر أن ايران صدّرت الى 147 دولة في عام 2022. وكان أن الصين ردت بـ "اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية حقوقنا المشروعة"، رافضة العشوائية في الاجراء، اذ لا رابح في هذا النوع من الحروب، " كما أن الضغط والاكراه لا يحلان المشكلة". وعلينا أن نتصور مدى التبعات الكارثية لذلك، على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ايران، ليبدو أن الضربة الاقتصادية لا تقل هولاً عن الضربة العسكرية .
السياق الدرامي يتوالى. صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت عن مسؤولين ايرانيين، أن ترامب "قد يضرب ايران، ثم يسعى لاحقاً لاجراء محادثات معها". أما شبكة "سي. بي. اس نيوز" فقد نقلت عن البنتاغون أنه "تمت احاطة الرئيس بمجموعة واسعة من الخيارات العسكرية والسرية ضد ايران، وهذه الخيارات تتجاوز بكثير الضربات الجوية التقليدية، وهي تشمل عمليات سيبرانية وحملات نفسية، لتعطيل القيادة والاتصالات والاعلام"، ليوضح هؤلاء المسؤولون انه " لم يتخذ أي قرار نهائي بشأن ايران".
الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، أبلغت قناة "فوكس نيوز" بأن ترامب "يرى الديبلوماسية خياراً أولاً، ولا يتردد باستخدام القوة ان رآها ضرورية"، لافتة الى أن "المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يبقى لاعباً مهماً جداً في ما يتعلق بايران"، لتضيف "ان الرئيس (الضنين بدم الايرانيين) لا يريد أن يرى الناس في طهران يموتون في الشوارع، وقد تحدث مع ايلون ماسك بشأن خدمة الانترنت فيها".
المستشار الألماني فريدريتش ميريتس، الذي أثبت أكثر من مرة انه أميركي أكثر من الأميركيين، وأنه "اسرائيلي" أكثر من "الاسرائيليين"، أعرب عن اعتقاده بـ"أننا سنشهد الأيام والأسابيع الأخيرة من حكم النظام الايراني". وكان موقع "اكسيوس" قد نقل عن مصادر، بأن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي بحث مع ويتكوف خلال عطلة نهاية الأسبوع، مسألة الاحتجاجات، كما بحثا في امكانية عقد اجتماع بينهما في الايام المقبلة. وفي وقت لاحق قال عراقجي لقناة "الجزيرة" ان "الاتصالات بين الرجلين مستمرة، منذ ما قبل الاحتجاجات الأخيرة، وهي لا تزال مستمرة حتى الآن"، مشيراً الى أن "أفكار مطروحة مع واشنطن وتخضع حالياً للدراسة، بما في ذلك عقد لقاء مع ويتكوف"، ولكن ليستدرك أنه "لا يمكن الجمع بين الطروحات الأميركية والتهديدات"، مؤكداً أن بلاده "مستعدة لكل الخيارات لا سيما الخيار العسكري، الذي سيكون أكثر اتساعاً مما كان عليه في الحرب الأخيرة"...
وسط هذا المشهد الملتبس، لا أحد يعلم ما في رأس دونالد ترامب، الذي اثبتت التجارب أنه يعتمد الضربات المسرحية (COUPS DE THEATRE) في سياساته، وان كانت الاتصالات تجري مع ستيف ويتكوف، المعروف بين كل اصدقاء ترامب ميله الى الحلول الديبلوماسية، في حين تسدى النصائح الى طهران بأن تكون أكثر براغماتية، في التعاطي مع تعقيدات المشهد الدولي والاقليمي الحالي، لأن نتائج أي مواجهة عسكرية ستكون كارثية، خصوصاً وأن التقارير الديبلوماسية والاستخباراتية الأوروبية (وحتى المصرية)، لا تستبعد أن يلجأ بنيامين نتنياهو الى الضربات النووية، اذا طاولت الصواريخ الايرانية أهدافاً حساسة في "اسرائيل" .
لنتكلم للمرة الأولى بهذه اللغة، لخوفنا من الانعكاس الكارثي لأي حرب ضد ايران على المقاومة في لبنان وعلى الدولة في لبنان، ومع علمنا بكيفية النظرة الأميركية الى ايران، لمصلحة من المجازفة بالتفرد بحمل قضايا المنطقة (التي لا قضايا لها)، ونحن نرى القوافل وكيف تتجه للحج الى أورشليم؟
ولتكن مصلحة الايرانيين ايران، وهم الذين يدركون كيف يمكن تفادي الجنون الأميركي. ولتكن مصلحة اللبنانيين لبنان، وهم الذين يدركون كيف يمكن تفادي "الجنون الاسرائيلي"...
نبيه البرجي - الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|