موازنة 2026: بين شراء الوقت وضغوط المواطنين
بعد أن اقتحم العسكريون المتقاعدون الحاجز الأمني ووصلوا إلى باب مجلس النواب احتجاجًا على عدم إدراج مطالبهم ضمن جدول الموازنة، تحولت الأجواء داخل المجلس إلى حالة من الفوضى والغضب، خصوصاً عندما وصل النقاش إلى بند تحسين رواتب القطاع العام والعسكريين المتقاعدين والأساتذة. ورغم هذه الأحداث، تبقى الموازنة مهمة جدًا لأنها أهم قانون يقره البرلمان سنويًا، إلا أنّ مشروع الموازنة الحالي لا يقدم حلولًا حقيقية للمشاكل المالية والاقتصادية في لبنان، بل يركز على أرقام كبيرة تعكس حجم التضخم أكثر من قدرة الاقتصاد على الإنتاج، مع محاولة رسمية لإظهار الموازَنة متوازِنة رغم الصعوبات الاقتصادية الحقيقية.
اللافت في هذه الموازنة هو اعتمادها الكبير على الضرائب، التي تشكل أكثر من 82% من الإيرادات المتوقعة، ما يضع المواطن مباشرة أمام ضغوط على قدرته الشرائية. معظم هذه الضرائب تأتي من الرسوم غير المباشرة على السلع والخدمات، والتي تشكل نحو 64% من إجمالي الضرائب.
من جهة أخرى، تشكل النفقات الجارية، مثل الرواتب والمخصصات والمنافع الاجتماعية، الجزء الأكبر من الإنفاق بنسبة 88.8%، بينما لا يذهب سوى نحو 11% للاستثمارات، ما يبرز الخلل البنيوي المستمر منذ سنوات طويلة. ونتيجة لذلك، فقدت الدولة دورها كمحرك للنمو الاقتصادي ومطوّر للبنية التحتية.
الموازنة تحاول تحقيق توازن دفتري بين النفقات والإيرادات، إذ قُدّرت النفقات والإيرادات بنفس المبلغ: 534,715 مليار ليرة. ورغم أنّ المشروع يعلن عن “صفر عجز”، إلا أنّ تحقيق هذا التوازن يعتمد على قدرة الحكومة على تحصيل الضرائب والالتزام بالإنفاق، مع افتراض عدم حدوث أزمات سياسية أو أمنية أو عسكرية قد تجبر الحكومة على إنفاق إضافي يكسر هذا التوازن.
رغم الانتقادات، يحمل مشروع الموازنة بعض النقاط الإيجابية للمواطنين، أهمها الاهتمام بالقطاع الصحي عبر منح مستشفيات سلفات شهرية لضمان استمرار التغطية الصحية، وزيادة الاعتمادات لصالح مرضى السرطان. كما يستمر دعم الدولة للأجور والمساعدات الاجتماعية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ومن المبادرات اللافتة، اقتطاع جزء من إيرادات البلديات لصالح القرى التي تفتقر لمجالس بلدية، لتأمين خدمات أساسية مثل الإنارة والنظافة، رغم أنه يعكس محاولة معالجة النتائج أكثر من الأسباب. بالإضافة إلى ذلك، تدعم الموازنة التعليم عبر تخصيصات واضحة للتعليم العالي والجامعي.
تتسم هذه الموازنة بالضعف في عدة جوانب، فهي تركز على البنود المالية دون خطة برامجية واضحة لتحقيق أهداف اقتصادية أو اجتماعية محددة. كما يلاحظ غياب الرقابة الصارمة لديوان المحاسبة على الهبات والقروض والإعتمادات الاستثنائية، وضعف كفاءة جباية الإيرادات غير الضريبية من أملاك الدولة والمؤسسات العامة، مما يزيد الضغط على المواطنين عبر الضرائب.
الإنفاق الاستثماري محدود، ما يقلل قدرة الدولة على تحفيز النمو، بينما يعتمد المشروع بشكل كبير على الضرائب التي قد تزيد من الركود أو التهرب الضريبي. كما يسمح المشروع بفتح إعتمادات استثنائية وارتباط تمويل المشاريع بالهبات والقروض الخارجية، ما قد يؤدي لإنفاق خارج الرقابة. والأهم من ذلك، لم تُعالج الموازنة مشكلة الدين العام أو مستحقات الدولة، كما أن غياب قطوعات الحساب يظهر أنّ لبنان غير جاهز لمواجهة هذه الملفات، ما يجعل الموازنة لا تعكس الواقع المالي الحقيقي.
يبدو مشروع موازنة 2026 وكأنه محاولة لشراء الوقت، فبينما يظهر أنه متوازن حسابيًا، يعتمد هذا التوازن على فرضيات صعبة في ظل انكماش الاقتصاد. الموازنة الحقيقية تُقاس بقدرتها على دعم القطاعات الإنتاجية، وهو ما يغيب في هذا المشروع، إذ تذهب معظم الأموال لتمويل هيكل إداري بحاجة لإصلاح جذري.
أنطوان سعادة -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|