حراك انتخابي متسارع: مشاورات سيادية تتقدّم وتحالفات الممانعة تتكرّس
لبنان بين ذراع إسرائيل و"ذراع" إيران
منذ عقود يقف لبنان عند تقاطع إقليمي يتجاوز قدرته، جغرافيته الصغيرة جعلته خط تماس، وتركيبته الطائفية المعقدة جعلته هشًا. اليوم، يبدو المشهد أكثر قسوة: إسرائيل تقاتل بذراعها المباشرة، بجيشها ومؤسساتها، فيما تقاتل إيران بإحدى أذرعها في المنطقة، "حزب الله". وبين الذراعين، يقف لبنان الدولة والمجتمع والاقتصاد رهينة معادلة غير متكافئة.
تمتلك إسرائيل دولة مركزية موحدة القرار العسكري، وجيشًا نظاميًا متطورًا، واقتصادًا قادرًا على تحمّل كلفة الحروب الطويلة، وتتحرك وفق حسابات واضحة المعالم. في المقابل، تخوض إيران صراعها الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والتنظيمات المنتشرة في أكثر من ساحة، ومنها لبنان وهو بالنسبة إليها ورقة استراتيجية ضمن رقعة شطرنج أوسع تمتد من الخليج إلى المتوسط.
هنا الإشكالية: عندما تقاتل إسرائيل، تتحمل تبعات قرارها أمام مجتمعها ومؤسساتها. أما حين يقاتل "حزب الله"، فإن لبنان بكل مكوناته يتحمل الكلفة، فيما القرار الاستراتيجي مرتبط بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. صحيح أن "الحزب" يقدّم نفسه بصفته قوة ردع في مواجهة إسرائيل لكن السؤال هو: من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟ الدولة أم "الحزب"؟ وهل يستطيع بلد غارق في أسوأ أزماته الاقتصادية أن يتحمل حربًا مفتوحة بالوكالة؟
الاختلال في ميزان القوى واضح. إسرائيل، بكل ما تملكه من تفوق عسكري وتقني، تواجه تنظيمًا مسلحًا يعمل ضمن دولة تعاني انهيارًا ماليًا ومؤسساتيًا غير مسبوق. حتى لو امتلك "الحزب" قدرات صاروخية مؤثرة، فإن الحرب الشاملة تعني تدمير البنية التحتية اللبنانية الهشة أصلًا، وتعني مزيدًا من النزوح والفقر والانهيار. في المقابل، لن تكون إيران نفسها ساحة المعركة المباشرة؛ فهي تقاتل عن بُعد، فيما الأرض اللبنانية هي التي تُستباح.
هذا ما يطرح مسألة السيادة: الدولة التي لا تحتكر قرار السلم والحرب تبقى دولة منقوصة السيادة. لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى استعادة ثقة المجتمع الدولي، فكيف يمكن تحقيق ذلك في ظل احتمال اشتعال الحرب في أي لحظة؟
المعادلة الحالية تضع "الحزب" أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في ربط مصيره الاستراتيجي بالمحور الإيراني، أو الانخراط في إعادة تعريف دوره ضمن الدولة اللبنانية، بحيث يصبح السلاح قرارًا وطنيًا لا ورقة إقليمية. أما الاستمرار في الوضع الحالي، فيعني استنزافًا دائمًا، وتآكلًا بطيئًا لما تبقى من الدولة.
السؤال الأخطر وجودي: إلى متى يبقى لبنان يتحمل تبعات صراع أكبر منه؟ وإلى أي حد يمكن لمجتمع أنهكته الهجرة والبطالة أن يصمد أمام جولات جديدة من الدمار؟ إن تحويل لبنان إلى خط تماس دائم لا يخدم في النهاية إلا من يرى فيه ساحة لا وطنًا.
لبنان اليوم بين ذراعين: ذراع تقاتل باسم دولة، وذراع تقاتل باسم محور. وبينهما وطن مهدد بأن يدفع الثمن الأكبر. الخروج من هذه الحلقة يكون باستعادة قرار الدولة التي بإمكانها التوجه إلى المجتمع الدولي لوقف الذراع الإسرائيلية ضدها.
جان الفغالي -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|