حين يصبح الإهمال سياسة: قصة مدينة أُسقطت عمدًا
"بناية عم توقع، في كتير ناس بقلبا... 14 ماتوا تحت الركام"... هو مشهد انهيار المبنى في طرابلس باب التبانة على رؤوس سكانه منذ أيام. مشهد - مماثل بصريًا - لمباني الجنوب المدمرة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان... وفي اليوم نفسه الذي زار فيه رئيس الحكومة نواف سلام الجنوب، انهار مبنى طرابلس، في توقيت "رمزي"، كان يعلن بدوره أن الدولة كانت غائبة عن طرابلس أيضًا، وأن كما إسرائيل تقتل وتدمر جنوبًا، فإن إقصاء طرابلس عن الإنماء، قادر أيضا على التدمير والقتل! فالمبنى ليس إلا واحدًا من بين قرابة 600 مبنى آيل للسقوط، وبعلم من الدولة.
وإذا اعتبرنا أن متوسط السكن هو 10 أشخاص في كل مبنى، سنكون أمام 6000 شخص مهددة حياتهم في طرابلس اليوم. ما يجعلنا نسأل: من "خزّن" لعقود، ظروف انهيار مئات المباني على رؤوس قاطنيها، في جريمة إهمال عمد لا تقل خطورة عن تخزين نيترات الأمونيوم 7 سنوات في مرفأ بيروت؟ ليتضح بأن "دولتي فعلت هذا" في طرابلس أيضًا، فالمبنى وقع في لحظة، أما أسباب انهياره، فتطلبت عقودًا من الإهمال الممنهج للمدينة. ما يجعلنا نسأل: أي وظيفة أدى ذلك الإهمال داخل المدينة؟ ولماذا همشت طرابلس حتى باتت عاصمة الشمال، التي تملك مرفئًا يصلها بالعالم، أقرب إلى ضاحية؟
فطرابلس لم تُهمَّش فقط نتيجة انهيار الدولة، بل وصمت بشكل ممنهج بالفقر والإرهاب. متلازمتان عطلتا قوتها الجيوسياسية في المنطقة من موقع استراتيجي على بحر المتوسط، وبوابة لبنانية إلى سوريا. المدينة ذات الأكثرية السنية المعارضة لنظام الأسد و"حزب الله" لم تكن تُقصى عن الخارطة الاقتصادية اللبنانية وحسب، إنما عن دورها السياسي الوطني، ليصبح السؤال أعمق من تعويم زعاماتها: لماذا كان لا بد من إضعاف طرابلس؟ وما الوظيفة التي أُنيطت بها داخل النظام اللبناني؟ وكيف أدى الإفقار والقبضة الأمنية إلى تلك الوظيفة؟
الإفقار كسياسة تطويع
بعد انتهاء الحرب الأهلية، أصبح مركز الثقل الاقتصادي، في دولة ذات إدارة مركزية، في بيروت العاصمة. وتقلص دور طرابلس تدريجيًا، وعطلت مصفاة النفط في البداوي، وبالكاد كان مرفأ طرابلس متنفسًا وحيدًا وعصبًا للمدينة، يبقيها على قيد الإنعاش الاقتصادي.
أتى إخراج طرابلس من مشروع اقتصادي وطني، ضمن سياسة اعتمدتها الدولة مع المحافظات الأطراف: البقاع، الجنوب والشمال لتغذي نظامها الاقتصادي في المركز، وهو ما ترافق مع سياسة إفقار وتجهيل داخل طرابلس، كي تحوّل ظروف الحياة فيها إلى ظروف ضاحية، وتفقدها مقومات العاصمة، وتُلفظ من الخارطة الوطنية على مستوى غياب المشروع الاقتصادي، عبر إفقارها بسياسات تهميش وفساد ممنهجة. فكيف تم ذلك؟
في العام 2015، قدّرت الإسكوا ESCWA أن 57 % من سكان طرابلس محرومون، و26 % منهم يعيشون في فقر مدقع. وفي العام 2022، أشار البنك الدولي إلى أن الكساد المتعمّد في لبنان هو "من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية".
هذا يعني أن إفقار طرابلس وتهميشها كانا سياسة حكم لا انهيار دولة فقط. سياسة نجحت في جعلها أفقر مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
أما دور الإفقار فكان أولًا: ضمان التبعية والولاء لزعامات وأثرياء المدينة. وثانيًا، التحضير لتحويل المدينة إلى ملف أمني كبير، يخرجها من المعادلة السياسية، أو بمعنى أوضح، يعطل دورها السياسي. ومن لا اقتصاد له، لا دور سياسيًا له!
معارك الإلهاء أو إعادة توجيه الغضب
في المدينة ذابت الطبقة الوسطى: إما أغنياء وإما فقراء وإما فقر مدقع. ارتفعت صور الزعماء على أفقر المباني، وها هي هذه المباني تنهار، لتدين زعماء المدينة وسياساتهم التي تسببت بانهيارها!
في التبانة وجبل محسن، استمرت جولات المعارك بين الفقراء حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، واشتدت بعد الثورة السورية عام 2011، ليختصر مشهد الانقسام بين الشارع السني المعارض لنظام الأسد، بباب التبانة، و"الممانعة" بجبل محسن ذي الأغلبية العلوية، لكن بساحة حرب فعلية متجددة.
هكذا وفي لحظة، عرّى مشهد سقوط مبنى "فقراء" في التبانة، عقودًا من تحوير الصراع: من الغضب الشعبي العمودي نحو سياسات وسياسيين همشوا المدينة، إلى غضب أفقي كان يدار بين فقرائها. فأبنية التبانة الفقيرة، لا تختلف ببنيتها الضعيفة عن أبنية جبل محسن الفقيرة. وحدها صور الزعماء تختلف وتعزز "الخلاف"، أما الإهمال العمد للمباني الآيلة للسقوط وعدم تدعيمها، فواحد!
"حزب الله" يحكم طرابلس من بوابة مرفئها!
للمفارقة، خدمت هذه الصورة "حزب الله"، الذي احتاج عنوان "الإسلاميين" ليقول إن المناطق ذات الأكثرية السنية "تُخرّج" الإرهاب لا المعارضة السياسية: طوّع صيدا عبر إحكام قبضة "سرايا المقاومة"، جناحه السني عليها، وطوّع بيروت في 7 أيار بالسلاح، وطوّع طرابلس بالقبضة الأمنية. وللمفارقة، فقد طوّع أيضًا مرفأ طرابلس، الذي كان في العهد السابق ممرًا للكبتاغون المهرب إلى السعودية، فكان يحكم المدينة من بوابة مرفئها!
إلا أن العامل الأكثر حسمًا، على المستوى الجيوسياسي، كان قرب طرابلس الجغرافي من سوريا. مدينة ذات أكثرية سنية معارضة تاريخيًا للنظام السوري السابق، كانت لتكون مركزًا سياسيًا معارضًا له ولسلاح "حزب الله"، وتحجز لها دورًا سياسيًا في طليعة تلك المواجهة. إلا أن وصمها بالإرهاب عطّل دورها السياسي، ليكمل الدور الذي بدأه إفقارها، ما أضعف موقع المدينة نفسها داخل المعادلة الوطنية!
هكذا لم يعد الشاب الطرابلسيّ مواطنًا يحتج، بل أصبح ملفًا أمنيًا فرديًا، ضمن ملف أمني كبير عنوانه المدينة. ولم يعد الغضب في الشارع احتجاجًا سياسيًا، بل تأكيد على هذا العنوان. وهكذا أبقت الزعامات على امتيازاتها كمحتكرة للثروة والسلطة والتمثيل، واطمأن النظام السوري السابق إلى أن طرابلس عُطلت سياسيًا، وكذلك فعل "حزب الله".
لم تغب الدولة عن طرابلس بالمعنى المطلق، بل إن التهميش نفسه كان شكلًا من أشكال حضورها: وكما في الجنوب غابت الدولة عن السيادة لصالح "حزب الله"، فكان دور الجنوب، ساحة تفاوض إيرانية، في الشمال، غابت الدولة عن الإنماء وحضرت بالأمن لصالح زعامات المدينة و "حزب الله" والنظام السوري السابق.
هكذا، كان لتهميش طرابلس وظيفة سياسية، بلغت حدًّا غير إنساني: في الجنوب الحرب، في بيروت انفجارها، وفي طرابلس مبانيها الآيلة للانهيار. هي إذًا ليست ضحية غياب الدولة، بل ضحية وظيفة سياسية في النظام اللبناني.
هل يتغير الدور أم يُكتفى بترميم الانهيار؟
فجأة ومرة واحدة، انفجر تراكم الملفات في وجه حكومة العهد الجديد، وهي عمليًا من خارج "الدولة العميقة" التي عمّقت الانهيار اللبناني عمومًا، والطرابلسي خصوصًا.
عقد رئيس الحكومة نواف سلام، اجتماعًا طارئًا مع الوزراء المعنيين، ثم زار طرابلس، وكذلك زارها كل من وزيرة الشؤون حنين السيد، وزيرا الداخلية أحمد الحجار والعدل عادل نصار.
فجأة، بدا أن الدولة قادرة على وضع خطة إيواء وترميم (التنفيذ رهن الأيام المقبلة)، في محاولة للعودة كدولة راعية حامية في طرابلس، وسيادية في الجنوب (حصر السلاح جنوب الليطاني)، وتضمن العدالة لملف انفجار المرفأ في بيروت، على عكس عهود سابقة.
لكن، لم يكن انهيار المبنى انهيارًا للحجارة فقط، بل انهيار وظيفة سياسية كاملة، حكمت بها طرابلس. من هنا، فإن عاصمة الشمال لا تريد إنقاذًا موقتًا بل تريد تعريفًا سياسيًا جديدًا لوظيفتها، لتوضع ليس على الخارطة الاقتصادية والاستثمار بل على الخارطة السياسية أيضًا، ضمن مشروع وطني لا يزيل وصمتي الفقر والإرهاب وحسب، إنما يعيد للمدينة مواطنيتها وإنسانيتها.
فـ "هم" سئموا أن نراهم "ضحايا"، و "نحن" ما عدنا نطيق التفرج على جريمة انهيار عمد لمدينة لبنانية، تستحق الحياة والكرامة. فالصمت أيضًا شريك في الجريمة...
عندما تصبح المدينة ملفًا أمنيًا
"يجد المُستعمَر حريته في العنف ومن خلاله"، كما يقول المفكر الفرنسي الجزائري فرانز فانون، في معرض شرحه لتحول العنف إلى متنفس حين يُغلق الأفق السياسي. أما طرابلس فاستعمرت بالإفقار الممنهج، وكان الشارع متنفسها "الاعتراضيّ" الوحيد، وصولًا لتلقيبها بـ "عروس الثورة".
لا بدّ لمن شاهد فيلم أثينا Athena الفرنسيّ (2022)، الحائز على جوائز عالمية، أن يعود بالذاكرة لمرحلة الثورة اللبنانية: شرطة، متظاهرون غاضبون، فوضى، جولات عنف متبادلة، حرق وتكسير وتخريب. وشعلة الثورة، هي مقتل الشاب إيدير على يد ضباط مجهولين من الشرطة. حادثة، إنما تعيدنا لاستشهاد فواز السمان عام 2020 في أحداث طرابلس، لتذكرنا بمقولة رددها أهل الشمال في ذلك الحين ويرددونها دائمًا :"الدولة بتتعامل مع ابن الشمال دايمًا بقسوة". في إشارة إلى قبضة أمنية محكمة، تحكم منذ عقود، هذه المدينة.
هنا في الفيلم تحضر الدولة، ليس لتحقيق العدالة لأهل شارع أثينا في ضواحي باريس الفرنسية - والعدالة وحدها تطفئ شرارة الثورة - بل لاحتوائها أمنيًا، وأمنيًا فقط.
كريم (الممثل سامي سليمان)، رئيس الحركة الثورية، هو شقيق الضحية إدير، شاب تشتعل عيناه بالغضب ولا يحركه الشغب لأجل الشغب، بل العدالة لأجل أخيه، إذ يطلب محاسبة القتلة. كريم يمثل الشاب الطرابلسي الغاضب، لا أطر سياسية تنظم غضبه، فيبقى له الشارع متنفسًا أخيرًا.
شقيقه عبدل (الممثل دالي بن صلاح)، الآتي من دولة المؤسسات كشرطي، يميل لعدالة الدولة لا انتفاضة الشارع، قبل أن تقتل الدولة أخاه كريم لإطفاء الثورة. هنا يتأكد عبدل أن الدولة التي يؤمن بها، لا تتعامل مع أثينا "الضاحية" كما باريس "المدينة"، وأن العدالة للضحايا في أثينا هي بمفهوم الشرطة الفرنسية ملف أمني، لا ملف مظلومية.
"كرهنا أن يرونا بأننا ضحايا". يقول كريم، قاصدًا الإعلام الفرنسي، ثم يقول: "لسنا هنا لنحرق"، بمعنى أن لعنفه وظيفة سياسية، هي إحقاق العدالة، ليرد الشرطي عبدل، الذي يفهم النظام جيدًا: "أنت لا تفهم، إنهم يريدون الفوضى".
وهذه النقطة بالتحديد، هي ما يؤكد عليها الإعلام الفرنسي، حيث يستخدم أحد ضيوف البث المباشر تعليقًا على أعمال الشغب، لغة "نحن" و "هم"، ليتم فرز أهل شارع أثينا إما في خانة الضحايا، أو الإرهابيين.
ضمن هذا التكتيك، هناك من وظف أعمال الشغب في طرابلس، لإطفاء انتفاضة الشارع، فبدأ تحويل الشبان للمحكمة العسكرية وتركيب ملفات أمنية: تبدأ التهمة برمي الحجارة ولا تنتهي بتهم الإرهاب.
وعطّل وصم طرابلس المدينة نفسها بالإرهاب بدوره، التضامن اللبناني مع هؤلاء الشبان، فيما عززت حركات أصولية تمنع مظاهر التنوع والفن والحياة في المدينة، لصالح التشدد الإسلامي السياسي، تلك الوصمة. علمًا أنه لو حضرت الدولة من بوابة صون الحريات العامة والخاصة لما تمددت هذه المظاهر المتشددة.
فتات عيّاد - "نداء الوطن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|