تهديدات جدّية دفعت إلى إجلاء الموظفين من السفارة الاميركية؟
لا تبدو خطوة إخلاء عدد من موظفي السفارة الأميركية في بيروت مجرد تفصيل إداري، ولا إجراءً تقنياً معزولاً عن سياق الإقليم وسخونته. فهي، وإن ارتبطت بتوترات المنطقة وما يتردد عن إكتمال التحضيرات الأميركية لضرب إيران، تحمل في طياتها دلالات لبنانية مباشرة.
عملياً، تكاد السفارة الأميركية تكون الجهة الدبلوماسية الوحيدة التي انتقلت من مرحلة إعداد خطط الطوارئ إلى التنفيذ الجزئي. ففي حين اكتفت غالبية السفارات، ولا سيما الأوروبية، بتحديث بروتوكولات الإخلاء وإجراء تدريبات داخلية عليها، قررت واشنطن إخراج عدد من الموظفين اللوجستيين غير الأساسيين، وتحديداً أولئك المقيمين خارج الحرم المباشر للسفارة في مجمّعات سكنية تخضع لإدارتها، ويتمتعون بهامش حركة أوسع من سواهم. هذا ما يفسره بيان السفارة الأميركية في بيروت الذي برر أمر الاجلاء بأنه صدر عن "بسبب الوضع الأمني في العاصمة اللبنانية".
المعطيات المتداولة تتحدث عن خشية أميركية جدّية من احتمال استهداف مصالح أو أفراد مرتبطين بالسفارة وثمة تقارير حقيقية باتت الأجهزة الأمنية في صورتها تحتم إتخاذ إجراءات من هذا النوع، سيما بعد رصد تحليق مسيّرات في محيط قاعدة حامات الجوية وما تردد عن تحليق مشابه في منطقة قريبة من السفارة، وما رافق ذلك من إجراءات انتشار واستنفار للجنود الأميركيين داخل وخارج حرك القاعدة بعد إسقاط المسيرة. بصرف النظر عن دقة هذه الوقائع أو حجمها، فإن مجرد التعامل معها بهذا المستوى من الجدية يعكس تقديراً أميركياً بأن هامش المخاطر في لبنان لم يعد نظرياً.
لكن البعد الأمني لا ينفصل عن السياسي. فالسفير الأميركي ميشال عيسى يتحرك، وفق ما يُتداول، ضمن إجراءات استثنائية، في وقت تتكاثر فيه المؤشرات إلى برودة سياسية في العلاقة مع السلطة على الرغم من نشاطه الملموس. ويصعب عزل خطوة الإخلاء عن الاشتباك القائم حول ملفات داخلية حساسة، من بينها الاستحقاق النيابي وما يُشاع عن دعم أميركي – سعودي لفكرة تأجيل الإنتخابات والتي يبدو أنها انفجرت سياسياً على نحو لم ترغب لا واشنطن ولا الرياض، وهو ما وضعهما في موقع طرف داخل السجال الداخلي، لا مجرد مراقب له.
في موازاة ذلك، لم تسر ملفات أخرى وفق الإيقاع الذي تريده واشنطن. فخطة الجيش لحصر السلاح شمال الليطاني لم تُترجم حتى الآن بالاندفاعة المتوقعة أميركياً، وهو ما انعكس في مقاربة واشنطن لمؤتمر باريس الداعم للمؤسسة العسكرية. وقد بدا لافتاً ما تردد عن تراجع السفير الأميركي عن المشاركة في اللحظات الأخيرة، ومجاراة السعوديين لهذا الموقف، ما أفقد المؤتمر زخماً سياسياً كانت تعوّل عليه السلطتان العسكرية والسياسية.
زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن ولقاؤه السيناتور ليندسي غراهام عكسا جانباً من هذه المقاربة الأميركية. فالإدارة الأميركية، وإن صنّفت بعض المؤسسات ومنها رئاسة الجمهورية كشريك، إلا أنها تنظر إليها بوصفها شريكاً محدود القدرة على فرض توازن داخلي في مواجهة حزب الله، ما يفتح الباب أمام توصيفات تتراوح بين العجز والقيود البنيوية.
من هنا، يبدو الإصرار الرئاسي على إجراء الانتخابات في موعدها، خلافاً لما يُنقل عن رغبة أميركية، بمثابة اختبار إرادات صامت. ويعزز صورة المأزق غياب أي تحديد رسمي لموعد زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب، رغم الكلام المتكرر عن وعود بترتيبها.
المفارقة أن واشنطن، التي ترفع مستوى تواصلها مع النظام السوري الجديد إلى حدود التواصل المباشر مع البيت الأبيض، لا تزال في الحالة اللبنانية تُبقي العلاقة ضمن سقفها الدبلوماسي التقليدي، أي عبر السفير لا أكثر لا بل أنها اتخذت قراراً قبل مدة قضى بتقليص العلاقة من مستوى مندوب رئاسي إلى سفير. وهو ما يوحي بأن لبنان، في الحسابات الأميركية الراهنة، لم يرتقِ بعد إلى مرتبة الشريك السياسي الكامل، بل بقي في خانة الملف الأمني الذي يُدار بالحد الأدنى من الانخراط والحد الأقصى من التحوط.
عبد الله قمح - المدن
| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|