الجيش بين نارين: ضغط إسرائيليّ وتفاوض مباشر مرفوض..
عشيّة الاجتماع التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة، وفي وقت يبدو فيه مؤتمر باريس أقرب إلى محطّة رمزيّة منه إلى نقطة تحوّل فعليّة، يقف الجيش اللبنانيّ في قلب معادلة شديدة التعقيد: يتلقّى ارتدادات الضربات الإسرائيليّة المتواصلة، فيما يواجه في الداخل عجزاً سياسيّاً واضحاً عن اتّخاذ قرار استراتيجيّ يعالج أزمة السلاح ويحدّد موقع لبنان في المرحلة الإقليميّة المقبلة.
بحسب مصادر عسكريّة لـ”أساس”، يتموضع الجيش اليوم “بين الضرب الإسرائيليّ المستمرّ، وبين انسداد سياسيّ يمنع بلورة مقاربة متكاملة”. تنفّذ المؤسّسة العسكريّة ما يُطلب منها ضمن حدود الإمكانات المتاحة، لكنّها لا تملك قراراً سياسيّاً كافياً للانتقال إلى مرحلة مختلفة، ولا رؤية واضحة تحدّد سقف الدور المطلوب منها، ولا ضمانات رسميّة لأن لا يؤدّي قيامها بواجبها إلى مواجهات داخليّة غير مطلوبة حتّى دوليّاً، خصوصاً في ما يتّصل بملفّ السلاح شمال الليطاني.
نجاح ميدانيّ في غياب القرار
على الرغم من هذا التعقيد، تشير الوقائع إلى أنّ الجيش تمكّن في جنوب الليطاني من إدارة مرحلة شديدة الحساسيّة بنجاح، بعدما رمت السلطة السياسيّة، كرة النار في ملعبه، فحملها على الرغم من كلّ المخاطر ودخل إلى منطقة خارجة لتوّها من حرب مدمّرة، حيث الدمار واسع والقذائف غير المنفجرة منتشرة وآلام الأهالي لا تزال طازجة.
تؤكّد مصادر متابعة أنّ أداء الجيش لم يقتصر على الجانب الأمنيّ، بل شمل إدارة دقيقة للعلاقة مع البيئة الجنوبيّة، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى أيّ صدام داخليّ أو الظهور كقوّة مواجهة مع مجتمع أنهكته الحرب. هذا ورافق الانتشار عملٌ إنسانيّ واجتماعيّ ساهم في تثبيت صورة المؤسّسة كمرجعيّة جامعة في مرحلة انتقاليّة شديدة الحساسيّة. شهد لهذا الأداء الجميع حتّى الجانب الأميركيّ، الذي أبدى رضىً واضحاً عن سلوك الجيش جنوب الليطاني، سواء في الانضباط الأمنيّ أو في إدارة التوازنات المحليّة.
إلّا أنّ هذا النجاح الميدانيّ لا يكفي وحده، أوّلاً لأنّ الإسرائيليّ يعلن في كلّ مكان أنّ عمل الجيش لم يكتمل، وثانياً لأنّ المطلوب اليوم أصبح يتجاوز قدرة المؤسّسة العسكريّة لأنّه يرتبط بقرار سياسيّ رسميّ من السلطة السياسيّة بأعلى مستوياتها لم يُتّخذ بعد.
جلسة “سلسة” تُخفي أزمة أعمق
في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء مرّ بند السلاح بسلاسة نسبيّة مقارنة بجلسات سابقة شهدت انقسامات حادّة. عرض قائد الجيش واقع عمل المؤسّسة جنوب الليطاني، من دون الدخول في تفاصيل دقيقة لخطّة شمال الليطاني، مكتفياً بإشارات عامّة ومواعيد غير محدّدة زمنيّاً بشكل نهائيّ. اللافت أنّ النقاش لم يتحوّل إلى اشتباك سياسيّ كما حصل سابقاً.
غير أنّ هذه السلاسة لا تعكس حلّاً بقدر ما تعكس تأجيلاً. فبحسب مصادر حكوميّة، لم تعُد المسألة تقنيّة مرتبطة بخطّة انتشار أو بإجراءات ميدانيّة، بل باتت تتّصل بقرار سياسيّ أكبر، مطلوب دوليّاً، ولا يزال غائباً حتّى الساعة. لم يعد الحديث فقط عن “حصر السلاح”، بل عن تموضع لبنان في معادلة إقليميّة جديدة.
الاستياء الدّوليّ: المطلوب انتقال سياسيّ
تؤكّد مصادر دبلوماسيّة أنّ استياء اللجنة الخماسيّة، ولا سيما الطرفين الأميركيّ والسعوديّ، من الأداء الحكوميّ الأخير، لا يرتبط بموقف الجيش اللبنانيّ بحدّ ذاته. “المطلوب اليوم أصبح أكبر”، تقول المصادر، مشيرة إلى أنّ المجتمع الدوليّ يدفع باتّجاه انتقال لبنان إلى مرحلة تفاوض مباشر مع إسرائيل، “رأساً برأس” من دون وسطاء ولا شركاء.
بناء عليه، جوهر المطالب الدوليّة سياسيّ بامتياز. فعندما يُتّخذ القرار السياسيّ الكبير، يصبح ملفّ السلاح تفصيلاً يُعالَج تحت سقف السياسة. أمّا في غياب هذا القرار، فيبقى السلاح عنواناً للصراع الداخليّ وأداة ضغط خارجيّ في آن واحد.
التّفاوض المباشر: قرار لا يجرؤ أحد على حمله
يصطدم طرحُ التفاوض المباشر بواقع داخليّ شديد التعقيد. تؤكّد مصادر سياسيّة وعسكريّة أنّ التفاوض المباشر مع إسرائيل لا تتوافر له ظروف ناضجة حتّى الآن، بل قد يتحوّل إلى محرقة سياسيّة لأيّ شخصيّة يمكن أن تُكلَّف بهذه المهمّة.
الثقة بالإسرائيليّ معدومة، والثقة بالسلطة السياسيّة اللبنانيّة مهزوزة أيضاً، والأهمّ أن لا أحد في لبنان يجرؤ فعليّاً على اتّخاذ قرار بهذا الحجم، فالذهاب إلى تفاوض مباشر يحتاج إلى غطاء وطنيّ عريض غير متوافر، ويتطلّب استعداداً لتحمّل كلفة داخليّة قد توازي كلفة المواجهة نفسها. من يحمل هذه “الجمرة” قد يحترق من جانبين: داخليّاً بتهمة التفريط، وخارجيّاً تحت ضغط شروط قاسية.
بالإضافة إلى ذلك، تتحدّث مصادر عسكريّة عن أنّ ثمّة محاذير سياديّة جديّة، فالاتّفاق الأمنيّ المطلوب، كالاتّفاق الأمنيّ مع سوريا مثلاً، إن حصل، قد لا يرقى إلى مستوى اتّفاق هدنة أو تثبيت الحدود وحسم الملفّات العالقة، بل يقتصر على ترتيبات أمنيّة. وهذا ما يثير قلقاً لدى أوساط رسميّة لأنّ لبنان يخشى أن يدخل في مسار لا يكرّس حقوقه الحدوديّة بشكل واضح.
بين نارين… ومؤتمرات لا تكفي
في انتظار إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة، يبدو الجيش اللبنانيّ عالقاً بين نارين: نار إسرائيليّة مفتوحة على احتمالات التصعيد، ونار سياسيّة داخليّة عاجزة عن إنتاج الخيار الدولي الكبير.
يُطلب من المؤسّسة العسكريّة أن تضبط الحدود وتطمئن الخارج وتراعي الداخل وتتحمّل ضغط الشارع في وقت يختلط فيه لدى شريحة من اللبنانيّين العداء السياسيّ لـ”الحزب” بالعداء لإسرائيل، فتتوجّه السهام أحياناً نحو الجيش نفسه باعتباره الواجهة الظاهرة للدولة.
أمّا مؤتمرات الدعم، في القاهرة أو باريس، فتبقى مظلّات معنويّة أكثر منها ماليّة لضمان استمراريّة رعاية المؤسّسة، لكنّها لا تعالج أصل المعضلة. لا تنحصر الأزمة في حاجات الجيش وكيفيّة قيامه بمهمّته التي أثبت من خلالها قدراته في جنوب الليطاني، بل في غياب القرار السياسيّ الذي يحدّد للبنان مساره ويمنح مؤسّسته العسكريّة وضوح المهمّة… وحدودها.
جوزفين ديب - اسلس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|