بين عودة الحريري والهجوم المضاد للبخاري: أين يتموضع المرشحون السنّة في عكار؟
للهروب من المداهمات: "ابتداع" مصانع كبتاغون متنقلة في البقاع
يسابق مُصنّعو حبوب الكبتاغون الحملات الأمنية المتصاعدة عليهم، بجهود حثيثة للحفاظ على إنتاجهم من السم الأبيض. فالمعامل التي كانت مخبّأة في الأقبية وفي المزارع النائية في البقاع الشمالي وريف القصير السورية، باتت تُكتَشف بشكل متزايد، ما دفع شبكات التصنيع إلى ابتكار بدائل، فكانت "المعامل المتنقلة" وحدات إنتاج تعمل أثناء التنقل، وتغادر قبل وصول القوى الأمنية.
اكتشاف بالصدفة
في 26 كانون الأول الماضي ضبط الجيش اللبناني خلال مداهمات في حي الشراونة بيك أب من نوع "هينو" من دون لوحات، تبيّن لاحقًا أنه معمل تصنيع كامل على عجلات، يحتوي "حسب بيان قيادة الجيش – مديرية التوجيه" على خمس ماكينات متطورة لتصنيع المخدرات، ماكينة حديثة لتصنيع حبوب الكبتاغون، وخمسة خلاطات ضخمة، عجانات مخصصة للمخدرات، وماكينة تخشين. كما عُثِر داخله على مواد كيميائية وخزانات سوائل، تستخدم في تصنيع المخدرات.
تكرّر المشهد الأسبوع الماضي. فبعد عملية رصد ومتابعة نفّذتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني في بلدة الكواخ - الهرمل، جرى توقيف فان، عُثر داخله على نحو 630 كيلوغراماً من مادة الأمفيتامين موزّعة على 31 كيساً، إلى جانب كميات كبيرة من مادة الإيثر الشديدة الاشتعال، ومكبس مخصص لتصنيع حبوب الكبتاغون.
لم يكن الحدث مجرّد عملية أمنية ناجحة في اصطياد شحنة مخدرات جديدة، بل كشف تحوّلاً في أساليب العمل لدى هذه الشبكات. وباتت كل المؤشرات تدّل إلى أنّ "الهينو" و"الفان" ليسا وسائل نقل، بل وحدات إنتاج متكاملة وجديدة في العمل.
الهروب من المكان الثابت
ما يجمع بين الحالتين ليس حجم المضبوطات ونوعيتها فقط، بل الفكرة نفسها، أي الهروب من المكان الثابت الذي يَسهُل كشفه. فمع تكثيف المداهمات خلال الأشهر الماضية، لم تعد المعامل التقليدية خياراً آمناً. الضغط الأمني دفع هذه المجموعات إلى تقليص فترة التعرض للملاحقة، عبر نقل عملية التصنيع نفسها إلى داخل آليات قادرة على الحركة وتبديل مواقعها بسرعة، خصوصاً في المناطق الوعرة وعلى المسارب الحدودية غير الشرعية، التي تعرفها الشبكات بدقة.
ملاحقات استباقية
في المقابل، تجزم مصادر أمنية لـ "المدن" بمتابعة "الحرب على آفة المخدرات حتى القضاء عليها نهائيا" وفق التوجيهات العليا. وتشير وتيرة العمليات الأمنية الأخيرة إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على ضبط الكميات الجاهزة، بل باتت تستهدف بُنية الإنتاج والتصنيع برمتها.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية سُجل ضبط أكثر من معمل، ثابت أو متنقل، إلى جانب مصادرة كميات كبيرة من المواد الأولية الكيميائية في مناطق الهرمل وبريتال ويونين وغرب بعلبك، إضافة إلى تشديد المراقبة على خطوط العبور غير الشرعية.
هذا التحول المزدوج - معامل متنقلة في مواجهة ملاحقة استباقية - يعكس طبيعة الصراع الدائر في البقاع، وهو سباق بين شبكات تحاول تقليل الخسائر عبر الحركة الدائمة، ومؤسسة عسكرية تسعى إلى ضرب القدرة الإنتاجية قبل أن تتحول المواد الخام إلى سمومٍ قاتلة تفتك بالناس.
المعمل هو الأخطر
تشير كل المتابعات والدلائل إلى أنّ المشكلة ليست فقط في الشحنات التي تُضبط، بل في المعامل التي تُنتِج هذه السموم، فهي الأساس في هذه الصناعة القذرة. واستهداف الموت المتنقل في بدايته هو الأنجع، لأنه يعني ضرب الحلقة الأكثر ربحاً وتأثيرًا في هذه التجارة، وتقليص قدرتها على الانتاج، ما يقلل من فرص وصول منتجاتها إلى السوق المحلية أو إلى عصابات تهريبها خارج الحدود.
ويؤّكد ع.ح. أحد الموقوفين سابقًا في قضية تصنيع الكبتاغون، والعارفين في هذا المجال لـ |المدن" أن "عملية تصنيع الكبتاغون سريعة وسهلة نسبيًا، إذ تكفي معرفة المقادير الكيميائية وطريقة تحضيرها"، مشيرًا إلى أن "الطبخة يمكن أن تنضج، ويتم كبسها وفرزها ونشرها، خلال ساعات قليلة"، ما يُفسر خطورة المعامل الجوّالة وقدرتها على التكيف.
اقتصاد بديل ولامركزية
التحوّل في أساليب التصنيع وتطويرها، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع في البقاع الشمالي. فخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تحوّلت صناعة وتجارة الكبتاغون من تهريبٍ مُحارَب إلى مورد اقتصادي أساسي وعصب مالي بغطاءٍ من النظام السوري السابق وحلفائه. وهذا ما منح مصنعيها القدرة على البقاء رغم كل الضربات الأمنية. وفي هذا المعنى تبدو المواجهة الحالية أبعد من كونها معركة أمنية فقط. إذ ترتبط بسؤال سياسي وتنموي أكبر، كيف يمكن تفكيك اقتصاد غير شرعي؟، فيما تستمر كل ظروف نشأته ونموه.
توّسع هذا الاقتصاد وتضخم نفوذه، يُشيران إلى أنّ المعامل النقّالة ليست مجرّد حيلة أمنية، بل هي قطاع منظّم "مدعوم" يمتلك مرونة لوجستية عالية وقدرة كبيرة على التأقلم، وصار يجسّد "اللامركزية" إنما في انتاج الكبتاغون.
أبعد من الأمن
في المحصلة، المواجهة في البقاع أبعد من عمليات كرٍّ وفرٍّ بين أجهزة الأمن والمهرّبين. إنها صراع طويل بين دولة تحاول فرض حضورها، واقتصادٍ غير شرعي، نما في ظل الفراغ ويتكيّف بسرعة مع كل ضربة يتلقاها.
وبين الطرفين يبقى السؤال مفتوحاً، هل تكفي الملاحقة الأمنية وحدها، أم أن المعركة الحقيقية تبدأ حين تفرض الدولة وجودها، وتقوم بواجباتها كاملة في التنمية والاقتصاد والأمن والسياسة والاجتماع؟
طارق الحجيري- "المدن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|