الصحافة

هل هذه كل أسرار الأسد؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

حتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من كل ما ظهر مما جرى تصنيفه فضائح الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد وأسراره، والتي ظهرت في تقارير صحافية أو أشرطة مصورة، أو لقاءات صحافية مع مقربين منه أو من أتباعه، إلا أن هذا الرجل لا يزال يُعدُّ من أكثر الناس حظاً بين السوريين، وربما بين الحكام المستبدين الذين جرى خلعهم من الحكم، لأن أسراره الحساسة لا تزال طي الكتمان. فبينما كان من المتوقع أن يخرج من بطانته من يفشي ما يعرفه من أسرار عنه أو عن أحد أفراد عائلته، وأن تُفتح كافة الملفات وكافة خزائن الأسرار القابعة في قصر الشعب الذي كان مقر عائلة الأسد الأب والابن، أو في شعبة المخابرات ووزارة الداخلية وغيرها من المواقع الحساسة، لكن ذلك كله لم يحدث.

كتائب الموت السرية

لذلك يمكن التخمين أنه ربما قد تم التحفظ على تلك المعلومات والأسرار جميعها، خصوصاً طريقة عمل الدولة العميقة، والطرق التي اتبعها الأسد لتأبيد استبداده، وأسرار أجهزته الأمنية وشبكة مخبريه. كما لم يطلعنا أحد على السبل التي اتبعها لإضعاف المعارضة، وطريقته في تشكيل الرأي العام الموالي له، ودور أجهزة الإعلام والمخابرات وأجهزة الدولة في إيجاد شبكة واسعة من الانتهازيين الذين ربطوا مصيرهم ومصير البلاد بشخص بشار، وقبلها بشخص والده حافظ الأسد. وفي سياق آخر، وعلى سبيل المثال، لم يُعرف أي شيء عن كتائب الموت السرية التي كانت تغتال معارضي الأسد، داخل البلاد وخارجها، وكل من كان يشكل خطراً على نظامه، على مدى أكثر من 50 سنة. هذه الكتائب التي تكثفت مهماتها خلال الثورة، من أجل تصفية الناشطين والثوار والأطباء والمثقفين والصحافيين، وكل من كان له علاقة بالثورة والاحتجاجات، وكانت عادة ما تُلصَق تهمة قتلهم بـِ "التنظيمات الإرهابية". كما لم يكشف شيء عن الأجهزة التي كانت تضع الخطط لضرب السلم الأهلي، وضعضعت بنى المجتمع السوري، عبر بث سموم التفرقة والطائفية. وأيضاً، والأهم، الفريق الاقتصادي الأخطبوطي الذي أدار مصالح الأسد وساعده في تكوين ثروة عائلته، وساهم في تأمين مصادر لتمويل حربه، والذي لم يُعرف عنه شيء، ولم تكشف أسماء أعضائه، وأيضاً تحالفاته والشبكات الشيطانية التي منعت سقوط نظامه، علاوة على آخرين ممن ساندوه وحالوا دون انتصار الثورة.

ويأتي هذا الكلام بمناسبة التقارير التي تظهر بين الفينة والأخرى والتي تُصَنَّف في خانة "أسرار الأسد"، ومنها ما يتحدث عن غروره وعناده وهوسه بالجنس وإدمانه ألعاب الفيديو. كذلك ظهور أشرطة مصورة حول بعض نشاطاته، واحتقاره لحلفائه وضباطه وأبناء الشعب. إضافة إلى لقاءات مع بعض من أتباعه وكلامهم حول مساعديه من فئة العقيد النمر، وقليلٌ من الكلام ومن الأخبار حوله. ولا ننسى سلسلة صوره العائلية وصوره الفردية في أوضاع لم يعهدها الشعب السوري عنه، وكثير منها تظهره بثيابه الداخلية، والتي كانت بمثابة عامل تسلية لأبناء البلاد في الفترة التي أعقبت سقوطه، وساهمت في كسر صورته النمطية في مخيلة مؤيديه، وفي سقوطه الأخلاقي. لكن، إذا كانت هذه تصنف أسراراً، وهي لا تعدو أن تكون فضائح، بل حتى لو صنفت فضائح، فإن ما ظهر منها متوقع عن حاكم لديه كل أسباب الرفاهية، والشبكات التي توفر له النساء وسهرات اللهو والضحك والتسلية، وربما تعاطي المخدرات، وغيرها من الموبقات التي لا تتوانى شخصية دموية واستبدادية مثل بشار عن ممارستها. وقد ظهرت هذه المواد في وقت كان الناس ينتظرون فيه إفشاء أكثر أسراره حساسية، وأن يخرج أناس من الدائرة الضيقة لحكمه، خصوصاً أولئك الذين أجروا تسويات مع سلطة أحمد الشرع، ليخبرنا بما يعرفونه من الأسرار، لكن بدا وكأن الألسنة قد قطعت والمداد قد جف. 

أسرار الليلة الأخيرة

ويذكرنا هذا الأمر بالذين انشقوا عن الأسد، من ضباط كبار وضباط أمن وسفراء ورؤساء حكومات، في الأشهر الأولى للثورة، سنة 2011 و2012، فهؤلاء بقي كلامهم في الإطار السطحي الذي يعرفه الجميع، أي الكلام عن تحكُّم دائرة ضيقة من المقربين بالقرارات، وعن اعتماد النظام الحلَّ الأمني، وإدارة قطاعات الدولة من منطلق أمني. كما تحدثوا عن اطلاع بشار الأسد شخصياً على دقائق الأمور، على عكس ما كان يروج عنه من ناحية عدم معرفته بما يجري من انتهاكات أو معرفته بالأحوال المعيشية السيئة للمواطنين. كما لم ينشروا وثائق سرية أو معلومات حساسة حول العمليات العسكرية أو معلومات استخبارية أو خطط سرية. وهم بذلك لم يقدموا جديداً، فتلك قضايا يعرفها الجميع، ويتوقع الجميع أن يدير نظام كهذا البلاد بالطريقة التي تحدثوا عنها، وهي طريقة يتبعها جميع الحكام المستبدين.

كما لا يرقى إلى مرتبة الإفشاء كل ما قيل عن أسرار الليلة الأخيرة لبشار في سوريا والأيام العشرة التي سبقتها، أي الفترة التي انطلقت فيها عملية ردع العدوان، وهي من أهم وأكثر الأسرار انغلاقاً وكتماناً. غير أن هنالك سر يفضح كل ما حُكيَ عن تلك الليلة التي قيل إن بشار هرب فيها من دون أن يخبر أحداً. إنه سر تبخُّر القوات الإيرانية وقوات حزب الله والفصائل العراقية الموالية لإيران، وغيرها من الميليشيات التي كانت داعمة للأسد، ومنعت سقوطه طوال الفترة الممتدة من سنة 2011 حتى لحظة هروبه. وقد وصل عددهم إلى عشرات الآلاف، بينما وصل عدد مواقعهم إلى أكثر من 500 موقع، بين قواعد كبيرة ونقاط صغيرة ومكاتب ومراكز تنسيق موزعة في كل أنحاء سوريا، فكيف تبخَّر كل هؤلاء وفككوا مواقعهم في ليلة واحدة؟ كما أن لدينا الروس الذين وصل عدد مواقعهم العسكرية الموزعة فوق التراب السوري إلى 105 مواقع، بينها أكثر من عشرين قاعدة كبيرة، من مطارات ورادارات، والباقي مواقع ونقاط صغيرة. كيف جرى تفكيك تلك المواقع جميعها وانسحاب الروس إلى قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، وبناءً على أي مستجدات؟ 

ستبقى هذه الأسئلة معلقة، ومن المتوقع ألا تتوفر إجابات حولها بسبب حساسية ما تم التوافق عليه بين القوى الدولية للوصول إلى لحظة 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، حين تعمَّد بشار الأسد الهرب، وترَكَ خلفه أحداً ما وقد تطوَّع ليخبئ أسراره، مثلما تعمَّد أن يُبقي مصير البلاد مفتوحاً على كل الاحتمالات وعلى كل الأخطار.

مالك ونوس -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا