من دون أي مقدّمات، برز إلى الواجهة يوم أمس الأربعاء خبر جولة المبعوث الفرنسي الخاص بمبادرة "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، جيرار مِستراليه. وفي إطار هذه الجولة، تناول مِستراليه مستجدات المبادرة، والمراحل التي قطعتها، مع نقاش حول كيفيّة اندماج لبنان في هذا الممر.
لهذا الممر "المبارك"، كما وصفه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، قصّته الطويلة. فهذه المبادرة التي ولدت عام 2023، وأخّرتها الحرب على غزّة، وحمل خريطتها نتنياهو في الأمم المتحدة، تمثّل محورًا سياسيًا واقتصاديًا آخِذًا بالتبلور في المنطقة منذ ذلك الوقت. وللفكرة عصافيرها الكثيرة، التي تُصاب بحجرٍ واحد: من دمج إسرائيل اقتصاديًا ولوجستيًا في المنطقة، إلى تهميش دور مصر وقناة السويس والبحر الأحمر، وصولًا إلى دعم صعود الهند في مواجهة الصين، ومنافسة مشروع "طريق الحرير" الصيني.
والانتساب لهذا الخيار، لن يكون قراراً اقتصاديًا أو لوجستيًا، كما أوحى المشهد اليوم. بل سيكون قرارًا استراتيجيًا يعبّر عن موقع لبنان في المنطقة ودوره، وهويّته والوظيفة التي يؤدّيها في لعبة المحاور وممرّات التجارة والطاقة.
ولادة الفكرة
في أيلول 2023، وقبل أسابيع قليلة من عمليّة "طوفان الأقصى"، ولدت هذه الفكرة على هامش اجتماع قمّة مجموعة العشرين، في نيودلهي، من خلال مذكرة تفاهم وقعتها الولايات المتحدة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة.
يومها، جاءت المبادرة في ظل سياقٍ دوليّ بالغ الدلالات: بين إعادة رسم خطوط التجارة الدوليّة، والصراع على إمدادات الطاقة في أعقاب الحرب الروسيّة على أوكرانيا، وتصاعد التنافس الجيوسياسي بين الهند والصين. ولم يكن المرء هنا بحاجة للكثير من التحليل ليفهم أسباب حماسة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وخصوصًا فرنسا وإيطاليا وألمانيا، لهذا الممرّ. وكذلك الأمر بالنسبة للهند.
قامت الفكرة على إنشاء ممرّ، يبدأ من الهند، ويمر بالإمارات العربيّة والمملكة العربيّة السعوديّة والأردن، ثم إسرائيل، وصولاً إلى شواطئ جنوب أوروبا. وبحسب المبادرة، كان على هذا الممر الاقتصادي أن يقوم على ثلاث ركائز:
أولاً، بنية تحتيّة مخصّصة للشحن التجاري، بما يشمل المرافئ وخطوط السكك الحديديّة ونقاط التجميع وإعادة التوزيع وغيرها.
ثانيًا، بنية تحتيّة لنقل الطاقة ومصادر الطاقة، بما يشمل خطوط إمداد الكهرباء والنفط.
ثالثًا، بنية تحتيّة رقميّة، من خلال خطوط الفايبر أوبتيك، القادرة على نقل البيانات بسرعة وسعة كبيرة.
وبهذا الشكل، تتكامل الركائز الثلاث على امتداد هذا الممر. فانتقال الطاقة عبره مثلاً، يزيد من القدرة على تشغيل البنية التحتيّة للشحن. وخطوط إمداد الكهرباء يمكن أن تتوازى مع خطوط نقل البيانات، ما يزيد من الجدوى الاقتصاديّة لكل من الركيزتين. وقامت الفكرة على إدارة كل دولة للمشاريع المكمّلة، التي تقع ضمن أراضيها، على أن يتم تمويل الجزء الأكبر من الاستثمارات عبر عقود الخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص.
أهداف متعدّدة
كانت الفكرة حلًا يحقّق أهداف متعدّدة، بضربة واحدة. وأولى هذه الأهداف، بطبيعة الحال، كانت دمج إسرائيل اقتصاديًا ولوجستيًا في منطقة الشرق الأوسط، من خلال سلّة مشاريع تفرض السلام عبر خلق المصالح المشتركة. ومن هذه الزاوية، لم يكن غريبًا أن يعلّق نتنياهو رهانات كبرى على المشروع، الذي سيجعل "إسرائيل محورًا أساسيًا في المنطقة"، ما سيشكّل رؤية قادرة على "إعادة تشكيل الشرق الأوسط". وهو "أكبر تعاون تنخرط فيه إسرائيل في تاريخها"، وهذا ما سيجعلها بابًا لوجستيًا "من الهند وعبر الشرق الأوسط وإلى أوروبا".
وبالنسبة لإسرائيل، لم تقتصر أهميّة المشروع على دمجها سياسيًا بين دول المنطقة. بل يمكن القول أن المشروع سيعطي إسرائيل قوّة تفاوضيّة أعلى، في علاقتها مع الشركاء الأوروبيين، وخصوصًا إذا تحوّل هذا الممرّ إلى مصدر أساسي من مصادر الطاقة الواردة إلى الاتحاد الأوروبي. كما سيوفّر المشروع الجدوى الاقتصاديّة التي تحتاجها إسرائيل، لتصدير الغاز المنتج لديها إلى الاتحاد الأوروبي، بدل الاعتماد على تسييل الغاز في مصر قبل شحنه إلى أوروبا.
فضلاً عن ذلك، من شأن المشروع أن يحقّق جملة من الأهداف الاستراتيجيّة الأخرى، مثل تعزيز تنافسيّة السلع الهنديّة، في مواجهة الإنتاج الصيني، عبر تخفيض كلفة شحنه إلى السوق الأوروبي. ولهذا العامل أهميّة خاصّة، على مستوى الجهد المبذول أميركيًّا لتعويم الهند اقتصاديًا وسياسيًا، لاحتواء الصين وتطويقها. وذهب العديد من المحلليل إلى حد القول أنّ هذا الممر الاقتصادي يُشكّل منافسًا جديًا لمشروع "طريق الحرير" الصيني، الذي استهدف أيضًا ربط الصين بالأسواق العالميّة بكلفة تنافسيّة.
ثم تتعدّد الأهداف الأخرى التي يحقّقها المشروع: من تهميش دور مصر وقناة السويس، وتقليص تأثير مصر وسطوتها على خطوط التجارة الدوليّة، وإيجاد خطوط تجاريّة قادرة على تجاوز البحر الأحمر والمخاطر التي يشكّلها الحوثيون هناك. كما يمكن للمشروع أن يسهم في تنويع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها أوروبا، بعد العقوبات التي جرى فرضها على روسيا، في أعقاب غزوها لأوكرانيا. وفي الوقت نفسه، سيسمح المشروع بتجاوز البدائل التي حاول العراق، ومن قبله إيران، خلقها، لتطوير خطوط إمداد تجاريّة بريّة.
أخيرًا، سيتكامل هذا المشروع مع مشروع أنابيب الغاز التي يفترض أن تربط إسرائيل بالاتحاد الأوروبي، عبر قبرص، ما سيحقّق هدف عزل تركيا، التي تسعى -بمشروع مُضاد- لإنشاء مركز إقليمي لتجميع الغاز ونقله إلى أوروبا. ومن المعلوم أن هذا التنافس ما بين تركيا من جهة، وقبرص وإسرائيل من جهة أخرى، لعب دوراً كبيرًا في صياغة التحالفات والاصطفافات الإقليميّة طوال السنوات الماضية.
ماذا يحقّق المشروع اليوم؟
المشكلة الأساسيّة اليوم، عند مقاربة المشروع من زاوية لبنانيّة، هو أنّه لا يأخذ بعين الاعتبار التحوّلات التي طرأت على المنطقة خلال السنة الماضية. فهذا المشروع، بصيغته الراهنة، لم يعد يحقق أهداف عزل "المحور الشيعي" كما كان الحال سابقًا، بقدر ما سيضع لبنان في موقع الضد أمام شركاء إقليميين آخرين مثل تركيا وسوريا. وهنا، يمكن السؤال عن المكسب أو المصلحة، التي سيحقّقها لبنان من المشروع، في حال الالتحاق به ومواجهة دول الجوار، قبل تقديم أي تنازل من الجانب الإسرائيلي.
أخيراً، لا تراعي حماسة بعض اللبنانيين اليوم التحوّلات التي طرأت في مواقف اللاعبين الإقليميين، منذ العام الماضي. فالمملكة العربيّة السعوديّة، التي لا يمكن تجاوزها في هذا المشروع، فرملت إيجابيّتها تجاه مسار الاتفاقيّات الإبراهيميّة، وخصوصًا بعد تعذّر انتزاع أي تنازل إسرائيلي في هذا المسار. بل وعلى العكس تمامًا، أظهرت المملكة قلقها من السطوة الإسرائيليّة في الإقليم، وتجاوز تل أبيب لخطوط حمر خطيرة تخص أمن دول الخليج واستقرارها، وهو ما دفع الرياض للبحث عن توازنات قوّة جديدة، كما جرى عند توقيع الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني.
علي نور الدين - المدن