طبول الحرب تُقرَع… ولبنان مطالب بأقصى درجات الحكمة
تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تطورات عسكرية وسياسية متسارعة تفرض قراءة هادئة ومسؤولة بعيدًا عن الانفعال أو التهويل.
فالتعزيزات العسكرية التي دفعتها الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، بالتوازي مع استمرار قنوات التفاوض مع إيران، تعكس مناخًا معقّدًا تتداخل فيه عناصر الردع مع محاولات احتواء التصعيد.
لا يمكن الجزم بأنّ المنطقة تتجه حتمًا إلى مواجهة عسكرية، كما لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل المؤشرات التي تدعو إلى القلق.
فحشد القدرات الجوية والبحرية المتطورة عادةً ما يكون رسالة متعددة الاتجاهات واستعدادٌ لمختلف السيناريوهات.
من هنا، فإنّ القراءة المتأنية تقتضي التعامل مع هذه التطورات بوصفها احتمالًا مفتوحًا لا مسارًا محسومًا.
المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تبدو بدورها محاطة بتعقيدات كبيرة، إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على الملف النووي، بل يتصل أيضًا بقضايا الصواريخ والدور الإقليمي لإيران.
وهذا الاتساع في جدول الأعمال يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سريعة، لكنه لا يلغي في المقابل إمكانية الوصول إلى تفاهمات مرحلية تخفف من حدّة التوتر.
ما يهمّ الدول الواقعة في قلب هذه المنطقة، وفي مقدّمها لبنان، هو كيفية تجنّب أن تتحوّل أراضيه إلى ساحات انعكاس لأي صراع محتمل. فالتجارب السابقة أثبتت أنّ الأزمات الكبرى حين تقع لا تبقى ضمن حدودها الجغرافية، بل تمتد آثارها إلى الدول الأكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، يعوّل اللبنانيون على حكمة الرئيس نبيه بري، في ممارسة دور الوسيط المؤثر لدى حزب الله، بهدف تجنّب أي انزلاق غير محسوب قد يُجبر لبنان على تحمل كلفة صراع لا قدرة له عليها.
إنّ هذا الرهان على حكمة الرئيس نبيه برّي يشكل عنصرًا إضافيًا من عناصر التوازن، ويُعدّ مؤشّرًا على أنّ هناك حرصًا وطنيًا على حماية استقرار الدولة وسلامة المواطنين.
أيضًا، أي تصعيد واسع بين إسرائيل وإيران قد يحمل تداعيات مباشرة على أكثر من جبهة، خصوصًا إذا انخرطت أطراف إقليمية أخرى في المواجهة( حزب الله، الحشد الشعبي، والحوثيين).
لذلك تبرز الحاجة إلى أعلى درجات الوعي الوطني لتجنيب لبنان الانزلاق إلى صراع لا مصلحة له فيه ولا قدرة له على تحمّل كلفته.
التجارب التاريخية تؤكد أنّ الحروب الكبرى في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى محصورة ضمن حدود الدولة التي تبدأ فيها، بل سرعان ما تمتد إلى ساحات النفوذ المرتبطة بها.
ومن هنا فإنّ أي صدام واسع مع إيران سيعني تلقائيًا اشتعال الجبهات المرتبطة بها من الخليج إلى شرق المتوسط.
وما يزيد من خطورة المرحلة الحالية هو الإيقاع المتسارع للأحداث حركة جوية عسكرية كثيفة، تعزيزات بحرية متواصلة، رسائل سياسية متشددة من العواصم الغربية، واستنفار إسرائيلي واضح.
كل ذلك يوحي بأنّ المنطقة دخلت مرحلة العدّ العكسي، حتى لو بقي توقيت الانفجار خاضعًا لحسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى والظروف الدولية.
إنّ المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة تقتضي التمسّك بمنطق الدولة، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وتغليب لغة الحوار على أي اعتبارات أخرى.
فلبنان، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، يحتاج إلى حماية سلمه الأهلي ومؤسساته أكثر من أي وقت مضى.
قد تحمل الأسابيع أو الأشهر المقبلة تطورات إيجابية تفتح باب التهدئة، وقد تشهد أيضًا لحظات توتر إضافية.
لكن الثابت أنّ الحكمة واليقظة تبقيان الخيار الوحيد أمام الدول الصغيرة في محيطٍ مضطرب.
إنّ القراءة الواقعية لما يجري تقود إلى خلاصة أساسية المنطقة تمرّ بمرحلة دقيقة، لكنها ليست قدرًا محتومًا.
وما بين احتمالات التصعيد وفرص التسوية، يبقى الرهان على العقلانية الدولية وعلى قدرة دول المنطقة على حماية استقرارها وتحصين ساحاتها الداخلية.
وفي ختام هذه القراءة، يبقى التحدي الأهم أمام لبنان هو حماية وحدته الوطنية وسلامة مؤسساته. إنّ اليقظة السياسية، والتمسّك بالحوار، وتعزيز التضامن بين اللبنانيين، هي الأدوات التي تحمي البلاد من الانزلاق إلى صراع لا مصلحة له فيه.
وعلى جميع القوى الوطنية أن تتذكّر أنّ قوة لبنان الحقيقية ليست في الانقسام أو التهويل، بل في وحدته وقدرته على مواجهة المخاطر بحكمة ومسؤولية. فالاستقرار الداخلي والوعي الجماعي هما حصن لبنان الحقيقي في مواجهة أي عاصفة إقليمية قد تقترب.
دافيد عيسى - أخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|