الأونروا وتقليص التمويل: تداعيات مزدوجة في ظل أزمتي اللجوء والنزوح
يشكّل ملف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أحد أكثر الملفات حساسية في البنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية، بوصفه قضية إنسانية وباعتباره عاملاً بنيوياً مؤثراً في الاستقرار الداخلي. فالوكالة تمرّ بمرحلة تقليص تمويلي تطال معظم وكالات الأمم المتحدة، مع توقعات بانخفاض موازناتها التشغيلية بنسب قد تتراوح بين 20% و40%. وفي بلد يستضيف ما يقارب 200 إلى 230 ألف لاجئ فلسطيني يستفيدون من خدمات التعليم والرعاية الصحية ومشاريع البنية التحتية، فإن أي خفض في موازنة تُقدّر حالياً بنحو 100 إلى 110 ملايين دولار يهدد بتداعيات تتجاوز الإطار الخدماتي إلى أبعاد أمنية واجتماعية واقتصادية.
تكمن خطورة المرحلة الراهنة في تزامنها مع واقع لبناني مأزوم اقتصادياً ومالياً، ومع وجود أزمة نزوح سوري واسعة النطاق تديرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فضلاً عن استحقاقات دولية مرتبطة بعمل قوات الأمم المتحدة في الجنوب. هذا التراكم يجعل لبنان من أكثر الدول تأثراً بأي تعديل في بنية التمويل الأممي، لأن الهامش المالي للدولة شبه معدوم، والقدرة الاستيعابية للمجتمع بلغت حدودها القصوى. وعليه، فإن تقليص خدمات الأونروا لا يعني فقط ضغطاً إضافياً على اللاجئين الفلسطينيين، بل انتقال جزء من الكلفة إلى الداخل اللبناني، سواء عبر تراجع مستوى الخدمات في المخيمات، أو ازدياد الطلب على مرافق الدولة المتعثرة أصلاً، أو ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي في بيئات تعاني أصلاً من الفقر والبطالة.
من منظور الحوكمة، يبرز إدراك رسمي بضرورة الانتقال من إدارة ردّ الفعل إلى إدارة استباقية للأزمة. وقد طُرحت ورقة عمل أعدّتها لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني كأساس لمقاربة شاملة، ترتكز على تحسين إدارة المخيمات وتنظيم ملف اللاجئين وتعزيز الحوكمة الداخلية، بما يتيح تقديم صورة أكثر تماسكاً أمام المجتمع الدولي عند طلب الدعم. هذا المسار لا يهدف فقط إلى معالجة الاختلالات الإدارية، بل إلى ربط أي دعم خارجي بإصلاحات عملية قابلة للقياس، ما يعزّز الثقة الدولية ويحدّ من هدر الموارد في بيئة مالية شحيحة.
في موازاة ذلك، يبرز ملف سوق العمل بوصفه نقطة تقاطع حساسة بين البعد الإنساني والاعتبارات الوطنية. إذ يجري العمل على إعداد دراسات تقييمية لحاجات السوق اللبنانية، مع تحديد القطاعات التي يمكن أن تستوعب عمالة إضافية دون الإضرار باليد العاملة اللبنانية. ويأتي التركيز على قطاعات محددة، مثل التمريض، في سياق مقاربة قطاعية دقيقة تسعى إلى مواءمة الاحتياجات الفعلية مع الواقع القائم، بما يمنع تفاقم البطالة بين اللبنانيين، وفي الوقت نفسه يحدّ من الانزلاق نحو الاقتصاد غير النظامي داخل المخيمات وخارجها.
أما على المستوى الخارجي، فيتجه الجهد نحو تفعيل قنوات التواصل مع المؤسسات الأوروبية، ولا سيما المفوضية الأوروبية، لاستكشاف إمكانات تعويض جزء من النقص المتوقع في التمويل. وتقوم المقاربة المطروحة على مشاريع محددة ذات طابع عملي، بما يضمن تحويل الدعم إلى خطوات ملموسة في مجالات الصحة والتربية والخدمات الأساسية. كما يجري توسيع التعاون مع وكالات أممية أخرى، مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة، بهدف سدّ فجوات محددة في المدارس والمراكز الصحية، وتخفيف انعكاسات التقليص على الفئات الأكثر هشاشة، وخصوصاً الأطفال.
إن قراءة معمّقة لحالة الأونروا في لبنان تكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة حصراً باستمرارية وكالة أممية، بل بمفهوم أوسع للأمن الاجتماعي. فالمخيمات الفلسطينية ليست كيانات معزولة عن محيطها، وأي تراجع في الخدمات قد ينعكس ارتفاعاً في معدلات الفقر والتسرّب المدرسي والبطالة، بما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق نحو أنماط سلوكية خطرة أو توترات محلية. وفي ظل وجود أزمة نزوح سوري موازية، يصبح أي خلل في أحد الملفين قابلاً للتمدد إلى الآخر، ضمن بيئة مواردها محدودة وقدرتها على الامتصاص ضعيفة.
من هنا، تبدو المقاربة اللبنانية في حاجة إلى معادلة دقيقة تجمع بين ثلاث ركائز: أولاً، تحسين الحوكمة الداخلية لملف اللاجئين بما يعزز صدقية الدولة أمام المانحين؛ ثانياً، حماية التوازنات الاجتماعية وسوق العمل عبر دراسات قطاعية علمية؛ وثالثاً، تفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف لضمان استمرار التمويل أو تعويض جزء منه عبر مبادرات موجّهة. إن نجاح هذه المعادلة لا يضمن فقط استمرار خدمات الأونروا، بل يساهم في صون الاستقرار اللبناني في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتحول الأزمات الإنسانية إلى عناصر ضغط سياسي واقتصادي على الدول التي تعاني من ازمات متعددة.
داود رمال – "اخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|