الصحافة

الجيش والحزب على كفّ عفريت: القرار "التوريطة"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

قرار مجلس الوزراء الرامي إلى حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـِ "حزب الله" على كامل الأراضي اللبنانية، لم يضع الجيش – الملزم بتنفيذ القرار – في عنق الزجاجة فحسب، بل وضع الحزب أيضاً في المأزق نفسه. وللمفارقة، فإن الفريقين اللذين تجنّبا طويلاً الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وجدا نفسيهما، بموجب قرار غير مسبوق، في موقع خصومة غير معلنة، أو على الأقل في موقع تفادي الاحتكاك المباشر خشية الانزلاق إلى صدام غير مرغوب فيه.

بهذا المعنى، وضع القرار العلاقة بين الجيش والحزب على كفّ عفريت، ومعهما علاقة شريحة واسعة من اللبنانيين الذين استفزّهم مشهد اتخاذ القرار وتنفيذه في ذروة العدوان على البلاد، في حين كانت القرى تتعرّض للقصف والناس تنزح من ديارها.

ميدانياً، دفعت أوامر السلطة السياسية ومتابعتها الدقيقة الجيش إلى التحرّك جنوباً ونصب حواجز صعوداً على الطرق المؤدية إلى عمق الجنوب، كنوع من إظهار جديته في تطبيق القرار، وبعد استدراك الدولة وجود توجّه إلى نزوح معاكس، عسكري وأهلي. وسُجّل انتشار عند أوتوستراد صيدا – صور، وعلى طريق الزهراني، وفي نقطة المصيلح باتجاه النبطية. وتردّد أن الجيش أوقف مجموعة أشخاص، قيل إن بينهم عناصر من الحزب.

دور الجيش

المفارقة أن ذلك تزامن مع قرار السلطة السياسية نفسها عدم منح الجيش غطاء التصدي للاجتياح الإسرائيلي للجنوب، فاختار إعادة التموضع خارج نطاق التوغّل الإسرائيلي، بذريعة تجنّب "الانتحار العسكري"، بالرغم من أن السلطة نفسها كانت قد أصدرت، قبل أشهر قليلة، أوامر بالتصدي لتوغلات جيش الاحتلال.

عملياً، كرّس خروج الجيش من بعض مواقعه منطق معاودة دخول الحزب إلى جنوب الليطاني، ليصبح في تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية. وما أفرزته الحالة الراهنة كان، عملياً، خروج الدولة من جنوب النهر، وانهيار خطة انتشار الجيش هناك، وعودة الحزب إلى التموضع كما كان قبل 27 تشرين الثاني 2024.

في المقابل، يرى البعض في هذا المشهد القاتم بصيصاً من الواقعية، حيث اختيار الجيش عدم مواجهة الحزب على الأرض الجنوبية، وحيث القرار العملاني للحزب هو التصدي للتوغّل الإسرائيلي، شكّل، وفق هذا الرأي، إخراجاً دقيقاً لتفادي صدام داخلي. فالانسحاب، من وجهة نظر هؤلاء، يسهّل عمل الحزب عسكرياً من دون إحراج تقني يسببه وجود الجيش، أو خلق نقطة ضعف يمكن استغلالها.

غير أن هذا الانسحاب حمل صورة سلبية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. إذ بدا كأنه تكريس لانكفاء الدولة، وسقوط مدوٍّ لرواية "عودة الدولة إلى الجنوب" بعد أربعة عقود. وزاد من وطأة المشهد انتشار الجيش في الخطوط الخلفية، حيث يُفترض قيام خطوط إمداد المقاومة، في وقت كان فيه جيش الاحتلال يتحرك في المناطق الحدودية، وهذا ما فُسّر على أنه نوع من التطويق العسكري بعد التطويق السياسي.

في الواقع، لم يكن قائد الجيش العماد رودولف هيكل يخطط للوصول إلى هذا الموقف. في جلسة مجلس الوزراء التي حضرها بصفته الرسمية، سمع مواقف حادة، وجرى، وفق معطيات متقاطعة، إبراز علوّ يد رئيس الحكومة نواف سلام في مقاربة الملف الأمني. وسجّل القائد امتعاضه في لقاء لاحق في قصر بعبدا.

الحكومة وجلسة القرار

في تفاصيل الجلسة، استُدعي قائد الجيش لمناقشة إطلاق خطة حصر السلاح شمالي الليطاني، على خلفية تبنّي الحزب إطلاق صواريخ من هناك. فأبدى جهوزيته للتنفيذ شرط صدور قرار سياسي محلّ توافق. وفي بند ثانٍ، طُلب منه تقديم رأيه في كيفية تطبيق قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، فكرّر موقفه بضرورة الغطاء السياسي الواضح، محذّراً من خلق ظروف مواجهة داخلية في لحظة خطر خارجي.

أما في البند الثالث، والمتصل بالتطورات العسكرية في الجنوب، فأكد أن الجيش موجود ميدانياً، مطالباً بإذن واضح للتصدي لأي توغّل إسرائيلي محتمل. غير أن هذا الطرح قوبل بتحفّظ من رئيسي الجمهورية والحكومة، فطلب القائد، بديلاً، إذناً بإعادة تموضع القوات عند الضرورة، وهو ما حصل.

قرار سحب العناصر جاء، وفق متابعين، نتيجة غياب الوظيفة الدفاعية الأساسية للجيش بعد أن حُصر دوره بالمراقبة. وفي الوقت نفسه، فُهم على أنه تجنّب للاحتكاك مع عناصر الحزب الذين يُفترض أنهم سيتولّون مواجهة الجيش الإسرائيلي، فاختار القائد الحل الأقل ضرراً: الانتشار عند خطوط الإمداد لا عند خطوط التماس.

في التطبيق، طُلب إلى الوحدات تنفيذ قرار مجلس الوزراء وفق تقديرها الميداني للظروف الأنسب. لذلك انتشرت حواجز في بعض طرق شمال الليطاني، في حين غابت جنوبه وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث أُخليت نقاط وحواجز، واقتصر الوجود على بعض المداخل. ووفق المعطيات، يتجنّب الجيش الاحتكاك مع عناصر الحزب في هذا الظرف الاستثنائي، في حين أوعز الحزب بدوره إلى عناصره بعدم إحراج الجيش أو الاحتكاك به.

غير أن هذا المناخ لا ينسحب على ملف مطلقي الصواريخ فجر الأحد – الاثنين. فوفق المعلومات، بلغت الأجهزة الأمنية من قبل مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الأجهزة الأمنية إجراء التحقيقات الاستعلامية لتحديد هوية المسؤولين وإحالتهم إلى القضاء، ولدى الجيش تتولى مديرية المخابرات التحقيقات، لكن لا مداهمات جرى تسجيلها لغاية اللحظة، كما غاب أي تداخل بين عمل الجيش والحزب كما هو معهود. وهذا تركز في استهدافات الضاحية يوم أمس حيث غابت دوريات الجيش من حول الشقق المستهدفة.

عبد الله قمح - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا