الصحافة

الحرب الطاحنة تسقط الميكانيزم: لبنان والاتفاق الجديد

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

خرجت آلية «الميكانيزم» عن العمل منذ فجر الاثنين الماضي، مع تجدّد اندلاع الحرب. المشهد يوحي بأن وجودها في لحظة التصعيد الشامل لم يعد ذا معنىً، بعد أن تجاوزتها الوقائع الميدانية وتخطّت دورها التنفيذي والرقابي المزعوم، وهو ما فهمته الدولة اللبنانية وباتت تتصرّف على أساسه.

سقوط «الميكانيزم» أطاح حكماً باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي لم يعد في المتناول، ولحق عملياً بمصير القرار الأممي 1701 الذي لم يبقَ منه سوى الإطار الشكلي.

بهذا المعنى، نحن أمام مسار يشي بولادة اتفاق جديد يُطبخ فوق نار الميدان المشتعلة، حيث الكلمة الأولى والأخيرة للوقائع العسكرية، ولا شيء يعلو فوق إيقاع الاشتباك.

الميدان بات صاحب القرار الفعلي. وهنا تحديداً ما سعى إليه حزب الله سابقاً ويسعى إليه اليوم من إعادة هندسة التوازنات التي اختلّت بفعل نتائج الحرب الماضية، وفرض معادلة جديدة تنطلق من الوقائع لا من النصوص.

في المقابل، حاولت الدولة اللبنانية فتح كوّة في جدار الذهاب إلى اتفاق جديد، انطلاقاً من مضمون كلمة رئيس الحكومة نواف سلام عقب جلسة مجلس الوزراء في 2 آذار. بالتعاون مع رئيس الجمهورية، أسّس سلام لنهج يقوم على التقدّم خطوة إلى الأمام عبر إبداء استعداد الحكومة للدخول في مفاوضات مباشرة مع العدو، هدفها وقف الحرب.

بهذا الطرح، يكون العهد قد تجاوز عملياً الدور الذي اضطلع به رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يعدّ نفسه الأب الروحي لاتفاق 27 تشرين الثاني. غير أن الشعار الذي ترفعه الدولة يصطدم بوقائع ماثلة يصعب تجاوزها؛ فالأحداث المتسارعة تخطّت حتى فكرة التفاوض المباشر، في حين أنَّ المشهد الميداني لا يوحي بأي هامش سياسي، إذ إن الكلمة حالياً للمدفع لا للديبلوماسية.

عملياً، تتصرّف الدولة وكأنها غير مقتنعة بانهيار اتفاق 27/11، أو كأنها تراهن على إمكان استنهاضه. كما تبني مقاربتها على قرار مجلس الوزراء القاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، باعتباره مدخلاً إلى التفاوض السياسي المباشر. ويجري تسويق هذا القرار خارجياً، على أساس أن الولايات المتحدة قد تتبنّاه وتمارس ضغوطاً على تل أبيب لوقف العمليات والذهاب إلى طاولة التفاوض، على أن تتولى الدولة لاحقاً مهمة اجتثاث الجناح العسكري للحزب.

وفي هذا السياق، دشن رئيس الجمهورية جولة اتصالات خارجية لتحصين موقف الدولة والسعي إلى تأمين أوسع شبكة دعم تتيح فتح مسار تفاوضي.

إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن لا الولايات المتحدة ولا غيرها تنظر إلى قرار مجلس الوزراء باعتباره بديلاً واقعياً عن الخيار العسكري الذي باشرت إسرائيل تطبيقه، بدءاً بإنذار سكان جنوب الليطاني بإخلاء المنطقة، وصولاً إلى التوغّل البري هناك. كما أنها باتت في صورة أن الوقائع الراهنة أطاحت بكل أفكار التفاوض السابقة وبتنا أمام مسار واضح الآن يتم تقريره عبر الميدان: إما طحن الحزب والذهاب إلى سلام، وإما أن يطحن الحزب الصيغة الحالية ويعيد فرض وقائعه على الساحة، وأساسها اسقاط كافة قرارات مجلس الوزراء. بهذا المعنى، جميع المؤشرات تفيد بأن الحل السياسي ليس في الأفق القريب.

هذا الواقع يدركه حزب الله جيداً ويتعامل معه على هذا الأساس. فالحزب، الذي اختبر خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية اختلالاً كبيراً في ميزان القوى مع تل أبيب – بلغ حد احتلال نقاط حدودية وإسقاط قرى بالنار واغتيال نحو 500 من عناصره، فضلاً عن الدمار الواسع في القرى والبلدات من الجنوب إلى البقاع – كان ينتظر فرصة سانحة للانقضاض على اتفاق وقف الأعمال العدائية، باعتباره سبباً مباشراً في ما آلت إليه الأوضاع، والسعي إلى تعديل قواعد الاشتباك بالنار، وربما إعادة إنتاج مشهدية نهاية حرب تموز 2006، وإن بصيغة مختلفة.

نظرياً، يعود الحزب إلى الميدان باعتباره المرجعية الحاسمة. ومع عودته إلى جنوب الليطاني بعد انسحاب الجيش اللبناني وإعلان إسرائيل المنطقة «مسرح عمليات مغلق»، يكتمل المسرح العملياتي للطرفين، في ظل رهان متبادل على حسم النتائج عسكرياً.

المعركة تتجه تصاعدياً. الحزب كثّف إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي. ومبدئياً نجح في إسقاط السردية الإسرائيلية التي تحدثت عن تدمير 80 في المئة من قدراته، حيث قصف صفد ثم تل أبيب بصواريخ وصفها بـِ «النوعية» يدخل في هذا السياق.

غير أن الحزب، وإن صعّد على الجبهة الصاروخية، يبدو أكثر تركيزاً على المواجهة البرية، باعتبارها القادرة على تعديل ميزان القوى. فحين يتفوّق الإسرائيلي جوياً، يكون الرهان المقابل على البر، وعلى استثمار الجغرافيا لإعادة صياغة المعادلات وخلق هامش تفاوضي أفضل.

قد يبدو هذا الطرح طموحاً، لكنه لا يزال في بداياته. والتقدير السائد، بما في ذلك لدى إسرائيل، أن المعركة طويلة، وأن الطرفين دخلاها وهما على اقتناع بأن الحسم لن يكون سريعاً، وأن الكلفة ستكون مرتفعة قبل أن تتضح ملامح التسوية المقبلة.

عبد الله قمح - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا