هيهات منا الذلّة… تحية إلى القرى المسيحية الصامدة على الحدود
كتب الكثير في هذه الأيام عن الحرب التي نعيشها اليوم، عن "حزب الله" وعن حسابات إيران، وأميركا، وإسرائيل، والدول الحليفة، وعن التحليلات السياسية والاستراتيجية التي تتناوب على وسائل الإعلام. لكن ما لم يُذكر ولم يُعطَ أهميته الكاملة هو القرى المسيحية الصغيرة على الحدود الجنوبية للبنان، تلك القرى التي تعيش على خط النار بين كل هذه القوى، وتتحمل وزر الصراعات التي لم تشارك في قرارها.
ومن هنا كان لا بد لنا من الوقوف عند هذه القرى وتحية صادقة لأهلها الصامدين في أرضهم، لأن صمودهم ليس مجرد موقف شخصي، بل أقوى تعبير عن التمسك بالأرض والهوية والذاكرة الوطنية في مواجهة الحرب والتهجير.
في الأيام الماضية فقط، وجد لبنان نفسه مجددًا في قلب حرب لم يخترها. حرب فُرضت عليه تحت عنوان ما يسمى "حرب الإسناد لإيران"، بعدما قرر "حزب الله" فتح جبهة الجنوب وإقحام البلاد في مواجهة عسكرية خطيرة.
لطالما ردّد قادة الحزب، وعلى رأسهم الشيخ نعيم قاسم، الشعار الشهير :"هيهات منا الذلّة". وهو شعار يعني رفض الخضوع والتمسك بالكرامة مهما كانت التضحيات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة:
عندما ترى بيئتك التي بهدلتها الحرب، وشُردت عائلاتها، وقضت لياليها في النزوح والخوف، ألا ترى نوعًا من الذلّة هنا؟
ما يجري اليوم ليس حرب لبنان ولا حرب دفاع عن أرضه، بل حرب إسناد لمحاور إقليمية. حرب فُرضت على اللبنانيين، وخصوصاً على أهل الجنوب الذين وجدوا أنفسهم مجدداً وقوداً لصراعات أكبر منهم، وقرارات تُتخذ خارج مؤسسات الدولة اللبنانية وخارج إرادة الشعب اللبناني.
وما زاد المشهد مأساوية هو ما يمكن وصفه اليوم، من دون مبالغة، بـ "النكبة الشيعية". فقد شهد يوم الخميس 5 آذار لحظة قاسية حين فُرض على سكان الضاحية ترك منازلهم فوراً مع تحديد وجهة النزوح، تحت تهديد القصف والإخلاء الفوري. خرجت العائلات على عجل، تاركة بيوتها وأحيائها، وتوزع الناس في الطرقات وفي بيوت الأقارب أو أماكن مؤقتة، يعيشون ليالي النزوح والقلق والخوف. إنها نكبة تشبه إلى حدّ ما حالات النزوح الكبرى السابقة، ليس فقط بسبب الدمار، بل بسبب الإحساس الجماعي بالاقتلاع المؤقت من الأرض والبيت والحياة اليومية.
وسط هذه المأساة، تبرز القرى المسيحية على الحدود كجزء من المشهد الأكثر هشاشة. صحيح أن لبنان كله اليوم بلد جريح، لكن هذه القرى، مثل رميش، القليعة، عين إبل، دبل، وعَلما الشعب، تقع حرفياً على خط النار. فهي لم تقرر الحرب، ولم تكن طرفاً فيها، لكنها تجد نفسها مرة أخرى بين القصف والتهديدات وتحذيرات الإخلاء.
وقد نقلت شهادات حية عن سكان هذه القرى الصامدين:
في علما الشعب قال رئيس البلدية:
"لقد وضعنا إيماننا بالله وبقديسينا… في مار الياس ومار شربل ويسوع والعذراء، وبقينا."
ووصف أحد الصحافيين المشهد بعد تحذيرات الإخلاء:
"بدل أن يسرع السكان إلى حزم أمتعتهم، وقف كثيرون منهم في ساحة الكنيسة وأصرّوا على البقاء".
وفي القليعة قال كاهن الرعية:
"بقينا لأننا مؤمنون مرتبطون بأرضنا".
أما إحدى الأمهات فقالت:
"لقد فرضوا علينا هذه الحرب. لا علاقة لنا بها. لماذا نغادر أرضنا؟"
هذه الكلمات لا تعبّر عن موقف عاطفي فحسب، بل عن إدراك عميق بأن الأرض التي تُترك قد لا يكون من السهل استعادتها. ولذا يتمسك سكان هذه القرى بالبقاء رغم المخاطر، حفاظاً على تاريخهم وهويتهم ووجودهم في الجنوب.
غير أن هذا الصمود لا يمكن أن يبقى مجرد قصة بطولية تُروى في الإعلام، فهذه القرى تتحمل نتائج حرب لا علاقة لها بقرارها، وتجد نفسها مرة بعد مرة رهينة صراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان.
لذلك يصبح من الضروري أن تتحول قضية هذه القرى إلى أولوية وطنية عاجلة:
البطريركية المارونية مدعوة للعب دور مباشر وواضح في الدفاع عن هذه المجتمعات وصمود أهلها.
السفارة البابوية في لبنان مطالبة بمتابعة هذا الملف على المستوى الدولي لحماية الوجود المسيحي التاريخي.
الدول الصديقة والحليفة للبنان مطالبة بضمان عدم تعرض هذه القرى لأي تهجير أو اعتداء.
الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل مدعوان لتعزيز حضورهم لحماية المدنيين وضمان بقاء الأهالي في أرضهم.
وكل مؤسسة أو شخصية قادرة على المساعدة يجب أن تتحمل مسؤوليتها في هذه اللحظة المصيرية.
في مواجهة كل التهديدات، يبقى السؤال الحقيقي موجهاً إلى أهل هذه القرى: هل ستستمرون في التمسك بأرضكم، في بيوتكم وكنائسكم، رغم الخوف والدمار، لتثبتوا أن وجودكم في الجنوب هو صمام أمان للهوية والتاريخ؟ إن صمودكم اليوم ليس مجرد خيار شخصي، بل موقف سياسي ووطني يحمي لبنان ويثبت أن أرضه لا تُترك بسهولة. وفي كل لحظة تبقون فيها، أنتم تقولون للعالم: لن نهرب، لن نستسلم، وسنبقى حراساً صامتين لتاريخنا وهويتنا.
لهذا، تبقى التحية الأولى والأخيرة لأهالي القرى المسيحية الجنوبية الصامدين، للأمهات والآباء الذين يرفضون ترك بيوتهم رغم الخطر، ولكل من يتمسك بأرض الجنوب، لأن صمودهم هو دفاع حي عن لبنان نفسه.
بولا أبي حنا -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|