الصحافة

مسلحون يتواجهون مع الجيش اللبناني في دبل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ندنات كثيرة فوق، في ضيعٍ مسيحية جنوبية حدودية، لأغنية: "حصرم بعين الكلّ/ بهالأرض بدنا نضل/ لو بقي خمس بيوت". لأول مرة تستحوذني تلك الكلمات بهذا الشكل. نعم، أهالي رميش ودبل وعين إبل والقليعة ودير ميماس وعلما الشعب صامدون. و"الصمود هو أن تبقى. أن تحسم أنت أمرك بينما يحزم الآخرون حقائبهم". لكن، أليس في صمودهم من جديد مخاطرة؟ هم صمدوا في سبعينات القرن الماضي، يوم تركتهم الدولة، وحين عادت نعتوا بالعمالة. هم بصمودهم ذات يوم جاعوا وعانوا وتألموا وتشتتوا. فماذا لو تجدد "هروب" الجميع وبقوا وحدهم يحرسون الأرض، متشبثين بالبقاء؟ ماذا لو تكرر التاريخ؟ وألف لماذا ولماذا ولماذا... أما الجواب فواحد: "فلتتحمل الدولة مسؤوليتها". هؤلاء، مسيحيو الشريط الحدودي الجنوبي أبطالٌ ويبقون أبطالاً ولو بقي منهم فوق، عند الحدود "خمس بيوت".

قبل خمسين عاماً، في شهر آب من العام 1976، تلقى أهالي الشريط مذكرة رسمية موجهة من قائد الجيش حنا سعيد، يأمر فيها العناصر العسكرية الصمود "فوق"والإهتمام بالقرى بعدما انحلت بعض القطع العسكرية. بقوا. بقيت عائلاتهم. و"صار ما صار" و... أقفل عليهم الوطن. أصبحوا في ميل وأصبح الوطن في ميل آخر. لم يمرّ الوقت سريعاً على أبناء تلك القرى. ويوم دقت عقارب الزمن حلول العام 2000 وضبت إسرائيل حقائبها وغادرت في ليلة لا قمر فيها. وتحررت الأرض. ومن جديد "صار ما صار". وها نحن اليوم في 2026. وها هم مسيحيو الشريط الجنوبي الحدودي معلقين من جديد على الصليب.

إننا في آذار. في نيسان المقبل، في الثالث والعشرين من نيسان بالتحديد، تحتفل بلدة رميش بعيد شفيعها مارجرجس. والصلوات اليوم، في زحمة الأحداث الكبرى، تستمر طلباً لشفاعة القديس عند الربّ يسوع ليسكب من دمه الثمين على لبنان ويصنع درعاً يحمي العائلات. الإيمان جميل. المسيحيون الذين سكنوا الجبال وأبوا أن يغادروا، ما زالوا- كما المسيحيين الأوائل- متشبثين في المحن بالأرض. واليوم، يعيشون محنة كبيرة متجددة. فهل يتركون رميش وجاراتها؟ هل يتركون دبل وعين إبل والقليعة والقوزح؟ هناك، عند الحدود الجنوبية، يقين "أن الآتي سيكون أفضل". المسيحيون يؤمنون بالموعظة التي قالها يسوع على الجبل "فلا تهتموا للغدّ، لأن الغدّ يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شرّه". فماذا عنهم اليوم؟

الأهالي "فوق" يقرعون أجراس الكنائس ويتلون الأبانا والسلام: "فلتكن مشيئتك يا أبانا... ولا تتركينا يا مريم". في كلِ مرة يشعرون بتخلي "أرضي" عنهم يرفعون الوجوه والقلوب نحو السماء. الأب بيار الراعي، كاهن رعية بلدة القليعة، يقف اليوم 24 ساعة على 24 مع الأهالي "أهلنا إختاروا الصمود. يخافون على بيوتهم. خائفون على ذكرياتهم. ونحن معهم على الدوام. عدد العائلات في البلدة 930، بمعدل ثلاثة أفراد في العائلة الواحدة، أي ما مجموعه نحو 2800 نسمة. عناصر الجيش أعادوا تموضعهم تخفيفاً للعتيد والعتاد لكنهم ما زالوا حتى اللحظة (ظهر السبت 7 آذار) بيننا. هم فعلوا ذلك ترقباً للتطورات".

الجيش اللبناني يعيد تموضعه اليوم بشكلٍ يتيح له التحرك- وربما الإنسحاب- إذا حصل ما هو في الحسبان. فماذا لو حصل إجتياح؟ كل شيء أصبح ممكناً. نسأل الأهالي عن إمكانيات البقاء، عن الطحين والمحروقات والعدس والبرغل والمياه، لكنهم سرعان ما يعيدون تذكيرنا بما قال يسوغ "أتركوا الغد يهتم بنفسه". لكن، من لا يتحرك يتم تجاوزه؟ يجيب أحد أولاد القليعة بسؤال: هل تريدوننا ان نحدثكم عن طحين وخبز ومحروقات... وجعنا أكبر بكثير".

نعود إلى الاب بيار الراعي متحدثاً عن الواقع الجغرافي اليوم "في الحقيقة، أهالي بلداتنا- على عكس حرب الإسناد قبل عامين- قرروا الصمود. ثلاثة أرباع أولاد قرانا قرروا البقاء في بيوتهم. 2800 مواطن بقوا في القليعة. وفي دير ميماس بقي 220 شخصاً. ومن يصمدون في برج الملوك وجديدة مرجعيون اليوم أكثر من أي يوم آخر. "بيكفي تشنشط". تعب الناس وباتوا متلهفين لسلامٍ وإلفة ودولة وأمان".

يقول الأب الراعي "نحن لا نتعاطى في السياسة وقرار البقاء في بيوتنا نهائي".

تحوط بلدة القليعة مناطق شيعية هجرها سكانها مثل كفركلا والخيام وبلاط... لكن، أليس في صمود أهل القليعة مخاطر؟ يجيب كاهن البلدة "حين يدخل شاب الى الجيش يخضع إلى دورات نسميها "تخشن" تجعله أكثر قدرة على التحمل. نحن عشنا تجارب مرّة كثيرة ولحمنا أصبح قاسياً. زادت قدرتنا على الصمود خصوصاً أن أراضينا سقيناها من عرق الجبين ولم يأتنا أي شيء بشكلٍ سهل. خمسون عاماً من العذاب تكفي".

في المقلب الآخر من الحدود تعيش قرية عين إبل النائية، الجميلة، حاضنة الأهالي الطيبين. شابات وشباب الضيعة إما أساتذة أو عناصر في المؤسسة العسكرية. شابٌ متمسك بالأرض، إبن، زوج وأب، صامدٌ إلى أبد الآبدين. يقول "الجيش اللبناني يجري دوريات "في الريو" لكنه ليس موجودا عسكرياً دائماً في البلدة. هناك، في المحيط مركزين ثابتين- حتى اللحظة، للطبابة العسكرية، واحد في عين إبل وثان في رميش" ويستطرد "نشعر وكأن هذه المرة أخطر مما عشناه في حرب الإسناد الأخيرة. نخاف أن نترك في آخر النهار وحدنا".

حالياً، يصمد في بلدة عين إبل أكثر بقليل من 1500 إنسان. والأهالي أنفسهم طلبوا من العائلات التي تضم مريضاً يعيش على الأوكسيجين- وعددها لا يزيد عن تسع- أن تغادر، خوفاً من إنقطاع التيار الكهربائي عن آلات التنفس. ويقول إبن البلدة وعمره بالكاد لامس الأربعين "أهلنا عاشوا الأمرين، ونحن عشنا القلق الكبير، وأطفالنا يعيشون اليوم في خوف. عين إبل أول ضيعة فيها سكن حتى اليوم، وكل القرى فارغة من هنا حتى بنت جبيل. إسرائيل لم تدخل الى بلدتنا. أحياناً نشعر بمرور ميركافا أو بتمشيط الأرض في مكان ما قريب لكننا لا نرى أحد بالعين المجردة. ونحن نتجنب الصعود إلى أطراف الضيعة خوفاً من أن يطلقوا النار علينا. وضعنا ليس سهلاً لكننا لا نريد أن نصبح مهجرين".

الضيع المسيحية على طول الشريط الحدودي في الجنوب صامدة. ماذا عن القوزح التي لم يبق فيها حجر على حجر؟ الأب طوني حنا، وهو كاهن القوزح وابن دبل، رأى بيوت أهل رعيته على الأرض أو محروقة ويقول "في العام 2024 هُدمت نحو ستين في المئة من بيوت القوزح بشكل كامل. وبعد أن هدأت الأحوال عادت 35 عائلة تضم 65 شخصا (من أصل 48 عائلة كانت موجودة تضم ما مجموعه 135 شخصاً). العائلات التي عادت بالكاد تضم شخصاً أو شخصين. لكن، اليوم خرج الجميع. وكنت آخر واحد يخرج. حصل هذا بعدما أتى جماعة "الحزب" ومعهم صواريخ".

نعم، القوزح قصفت لأن "الحزب" دخل إليها. ومثل القوزح أمثلة لم تعد تخفى على أحد. الأهالي اليوم ينامون في دير الكسليك، ومعظمهم من كبار العمر الذين عاشوا خمسة عقود من "التخشن" عانوا فيها الأمرين.

الكاهن، إبن دبل، يتحدث عن ناس الضيعة "هم بدورهم قرروا الصمود. لكن، هل في الضيعة عناصر جيش لبناني؟ يجيب "قبل "شوي"، على المصلبية، في دبل تواجه عناصر من الجيش مع شباب مسلحين يعبرون في ثلاث جيبات. وأحد المسلحين كاد يدعس أحد العسكريين". هناك مخفر للدرك في عين إبل لكن في القوزح لا مخفر ولا اي مظهر شرعي.

المنطقة "فوق" صامدة، لكنها ليست بخير. علما الشعب تلقت إنذاراً بالإخلاء ورفضت. الشريط المسيحي كله سيصمد لكن، مثلما يقال، اليد الواحدة لا تُصفق. هؤلاء، لمن يهتم، بحاجة إلى قبضة الجيش اللبناني تحميهم وحكمة الدولة اللبنانية التي لن تسمح بأن نسلخوا مجددا عنها، لا لشيء إلا لأنهم من الصامدين.

"ليبانون ديبايت"- نوال نصر

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا